اللغة ، سواء انسد باب العلم بالأحكام أو لا ، فإنّ معاني الألفاظ مجهولة غالباً ، أو لا أقلّ سعتها وإطلاقها .
واعترض عليه الشيخ الأعظم : بأنّه لو كان باب العلم بالأحكام مفتوحاً لما ضرّ انسداد باب العلم باللغة ، لعدم الحاجة شرعاً إلى فهم معاني اللغات ، ومع انسداده يكون الظنّ بالحكم ، الحاصل من قول اللغوي ، حجة وإن كان باب العلم مفتوحاً في باب اللغة .
ومع ذلك كلّه ليس للفقيه غنى من الرجوع إلى المعاجم في ذلك ، وذلك لأنّ هناك ألفاظاً فقهية معلومة إجمالًا ، لكنّها مجهولة من حيث الشروط والقيود فلا تفهم إلّا بالرجوع إلى المعاجم المعتبرة لاستظهار الحقيقة منها بالامعان والدقّة .
لا أقول : إنّ قول اللغوي الواحد حجّة ، بل أقول : إنّ الرجوع إلى المعاجم المختلفة المعتبرة والدقّة في كلماتهم وضرب بعضها على بعض يورث الاطمئنان ويرفع الشك عن وجه الواقع ، مثلًا : اختلف الفقهاء في معنى القمار والمقامرة وانّه هل يعتبر فيهما العوض أو لا ، وهل يعتبر فيه الآلة المتعارفة أو لا ؟ ولا يعلم ذلك إلّا بعد مراجعة اللغات الأصلية حتّى يحصل الاطمئنان بواحد من الطرفين .
مع أنّ نفي الحاجة إلى قول اللغوي لا يصدر من فقيه واع ، محيط بأبواب الفقه ومسائله ، إذ ربّما يكون المعنى معلوماً إجمالًا ، يتعلّق الشك بدخول بعض الأفراد أو خروجها ، فلا تحل العقدة إلّا بالرجوع إلى قول اللغوي كالوطن والمفازة ، والكنز والمعدن والغوص .
والعجب أنّ هؤلاء الأعاظم مع اتفاقهم على عدم حجّية قول اللغوي في هذا الباب تراهم يعملون على خلاف ذلك في الكتب الفقهية وما أصدق قول القائل : كأنّهم نسوا في الفقه ما ذكروه في الأُصول وما ذكره الشيخ استدراكاً على كلامه في حاشية الفرائد ، كلام متين فلاحظ .
* * *
المحصول في علم الاُصول — صفحة 181
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص١٨١