فاعل مجهول ثانياً ، كما يشهد قوله : (
نُزِّلَ
) ولم يكتفوا بهذا الأمر ، بل اعترضوا عليه بأنّه لما ذا لا يجيء بالملائكة ثالثاً ، فنزل الوحي بنقد أقوالهم .
فأجاب عن الثالث : بأنّ نزول الملائكة موجب لإهلاكهم وإبادتهم وهو يخالف هدف البعثة إذ الهدف هو الهداية لا الإبادة وأمّا وجه الملازمة بين رؤية الملائكة وإبادتهم فقد فصّلناه في محله .
وعن الثاني : بالتصريح بأنّ المنزّل هو اللّه سبحانه قال : (
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ
) لا شخص مجهول كما يحكيه عنه قولهم : (
نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ
) .
وعن الأوّل : بأنّه سبحانه هو الحافظ لذكره عن تطرق أيّ بطلان وزوال عليه ، وهو لا يُغلب في إرادته ، ثمّ إنّ الاستهزاء بالنبيّ الأكرم باتّهامه بالجنون أمر جرى عليه أعداء الدعوة الإلهية خلفاً عن سلف كما قال سبحانه : (
كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ
) ( الذاريات / 52 ) .
إلى هنا ظهر مفاد الآيات وأهدافها كما ظهر من دلالة الآية على أنّه سبحانه تعهّد على حفظه من الخلط والزوال .
وبذلك يظهر عدم تمامية عدّة احتمالات :
1 حفظه من قدح القادحين .
2 حفظه في اللوح المحفوظ .
3 حفظه في صدر النبي والإمام بعده .
فإنّ قدح القادحين ليس مطروحاً في الآية حتى تكون نافية له ، كما أنّ حفظه في اللوح المحفوظ أو في صدر المعصوم لا ترتبط باعتراض المشركين ، فإنّ اعتراض المشركين كان مبنياً على اتّهام النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بالجنون الذي لا ينفك عن الخلط ، فأجاب سبحانه : بأنّه هو الحافظ أوّلًا . وأنّ اتّهام النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بالجنون ليس بأمر جديد ، بل المشركون كانوا مستهزءين في طوال القرون السابقة متهمين الأنبياء والرسل بهذه التهم .