ذلك بعض التصوّر في عصر الخلفاء الثلاثة .
أمّا الأوّلان فاحتمال تحريفهما للقرآن لا يخلو إمّا أن يقع في الآيات التي لا تمس زعامتهما فهو بعيد غايته ، إذ لا داعي لهما في هذا وكانت زعامتهما حسب الظاهر على الاهتمام بالدين وسننه وطقوسه وفرائضه وعزائمه .
وأمّا الآيات التي تمس كرامتهما فهي أيضاً مثلها لأنّ آيات الولاية كآية البلاغ والإكمال وغيرهما من الأمر بإطاعة أُولي الأمر ، أو أنّ الأمير من أعطى الزكاة وهو راكع ، موجودة في القرآن فيتلى كل يوم وليلة .
مع أنّه لو صدر هذا التحريف منهما لما سكت أصحاب النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) الغيارى على الإسلام والقرآن نظراء أبي ذر وعمّار والمقداد وفي مقدمتهم أمير المؤمنين وضجيعته الطاهرة ، كيف وقد اعترض على خلافتهم اثنا عشر صحابياً في مسجد رسول اللّه واعترض الإمام وبنت رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) على غصب فدك ، وغير ذلك من البدع ولا تبلغ فدك معشار ما للقرآن من العظمة والأهمية .
وأمّا وقوع التحريف من عثمان فهو أبعد ، لانتشار الإسلام والحفّاظ والقرّاء والمصاحف في أرجاء الدنيا والعواصم الإسلامية ، ولا يقدر على ذلك إلّا أن يضع السيف على رقاب المسلمين على أن يحذف آيات أو سور من القرآن .
أضف إلى ذلك : أنّه كان على الإمام ( عليه السلام ) وحوارييه من أبي ذر وعمّار وحجر بن عدي وعمرو بن الحمق ذوي الغيرة والحماس ، المعارضة بلغ ما بلغ .
ويرشدك على صدق المقال : أنّه قد اختلف أُبي بن كعب والخليفة في قراءة قوله سبحانه : (
وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ
) ( التوبة / 34 ) فأصرّ أُبيّ على أنّه سمعه عن النبي بالواو وكان نظر الخليفة إلى أنّه خال منها . فتشاجرا عند كتابة المصحف الواحد ، وإرساله إلى العواصم ، فهدّده أُبي وقال : لا بدّ وأن تكتب الآية بالواو ، وإلّا لأضع سيفي على عاتقي « 1 » .
هامش
( 1 ) - الدر المنثور 232 : 2 .