البائع والمشتري لا يوصف بكونه ظنّياً ، وما يتفوّه به الطبيب ، يتلقّاه المريض مفهوماً واضحاً لا تردّد فيه ، وما يتلقّاه السائل من الجواب عن الخبير يطمئن به ويسكن إليه بلا تردّد ، فإذا كان هذا حال محاوراتنا في حياتنا ، فليكن كذلك حال المحاورات الدائرة بين الإمام والسائل والنبي الأكرم والصحابة الحضور ، فلما ذا نصفها بأنّها ظنّية الدلالة ومحاوراتنا قطعيتها .
فإن قلت : فإذا كان الأمر كذلك فلما ذا عدّ العلماء الظواهر من الظنون ؟ فلم نزل نسمع من الأُصوليين حديثهم وقديمهم أنّ الظواهر ظنون دل الدليل على حجيّتها .
قلت : الذي دفع الأعاظم إلى هذه الفكرة أمران :
1 احتمال كون المتكلّم هازلًا في كلامه ، أو مورّياً في مقاله ، أو جائياً به على وجه التقية ، أو ملقياً للعموم والمطلقات ومريداً منها الخاص والمقيّد ، فصار هذا سبباً لتوصيف دلالة الظواهر على المقاصد ، ظنية ، وليس لأحد منّا أن ينكر وجود تلك الاحتمالات ، فما دامت هي موجودة توصف الظواهر بكونها مفيدة للظن بالمراد لا القطع به .
يلاحظ عليه أوّلًا : أنّ محل النزاع في كون الظواهر ظنّية أو قطعية إنّما هو المداليل الاستعمالية دون المداليل الجدّية ، ودلالة اللفظ على معناه ، والهيئة التركيبية على مضمونها ، قطعية لا ظنّية ، وأمّا كون هذه المداليل ، مرادة جدّية فليس هو على عاتق الكلام ، وإنّما هو على عاتق الأُصول العقلائية ، أعني : كون المتكلّم قاصداً لا هازلًا ، مريداً لما يدلّ عليه اللفظ بظاهره لا مورّياً ، ملقياً للكلام بما أنّ مدلوله مقصود له عن صميم الذات لا على وجه التقية ، ونحوه العام والمطلق ، فالأصل فيها تطابق الإرادة الاستعمالية مع الإرادة الجدّية ، فلو أراد العام أو المطلق استعمالًا ، فالأصل أنّه كذلك حسب الإرادة الجدّية ، فما هو على عاتق الكلام ، إنّما هو إحضار المراد الاستعمالي في ذهن المخاطب وهو يحضره على وجه القطع
المحصول في علم الاُصول — صفحة 139
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص١٣٩