وأمّا الصورة الثالثة : فالأمر فيها يدور بين أن يتمحّض الخاصّ للتخصيص أو يتردّد أمره بينه وبين النسخ ، إذ لو ورد قبل حضور وقت العمل بالعامّ أو ورد العامّ قبل حضور وقت العمل به لتعيّن التخصيص بلا ريب ؛ ففي هذه الصورة يمكن أن يقال : بتقدّم التخصيص على النسخ لشيوعه وكثرته بحيث لا يعتنى العقلاء باحتمال خلافه كما لا يعتنون بالاحتمال الضعيف في مثل الشبهة غير المحصورة وفي باب أصالة الصحّة في العقود ونحوها .
والسرّ في ذلك : قلّة النسخ بحيث لا يعلم به إلّا في موارد قليلة من أحكام الشريعة ، وأمّا التخصيص والتقيييد فكثيران جدّا خصوصا في محيط التقنين وعليهما مدار فقه الإسلام .
والظاهر أنّ أخبار الأئمّة عليهم السلام كلّها من قبيل الصورة الثالثة لما عرفت من أنّ المخصّصات والمقيّدات كانت مذكورة في لسان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم متّصلة أو منفصلة ، فلا يعلم أنّها بأيّ وضع كانت ، وهل كانت مقدّمة أو مؤخّرة وبعد العمل بالعمومات والمطلقات أو قبله ؟ فلا يجعل الملاك تأريخ ورودها من الأئمّة عليهم السلام ، بل ما وردت في ألسنتهم إنّما هي بيان لما كان مبيّنا في عصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وأمّا الصورتان الأخيرتان فيعلم حكمهما أيضا ممّا ذكرنا .
فتحصّل ممّا ذكر : تقدّم التخصيص على النسخ في بعض الموارد وتقدّم النسخ في موارد أخر .
ولا يخفى : أنّ القوم استدلّوا لتقديم التخصيص بشيوعه ولتقديم النسخ بكونه تصرّفا في الإطلاق وهو أهون . والظاهر منهم جريان هذين الدليلين في مورد واحد فيتشبّث كلّ منهم بأحدهما ، ولكنّه ظهر بما ذكرنا : أنّ القول بشيوع
محاضرات في الأصول — صفحة 336
مساهمون: السيد الخميني
ص٣٣٦