بيان أصالتي الحقيقة والجدّ
وأمّا العامّ والمخصّص فتحقيق المقام فيهما أنّ استعمال العامّ وإرادة الخاصّ إنّما يكون بطريقين :
الأوّل : أن يكون استعماله في الخصوص على نحو الاستعمالات المجازية بأن يستعمل في غير ما وضع له أو يستعمل فيما وضع له ولكن بادّعاء كون الخاصّ جميع ما وضع له بأن يقال : « أكرم العلماء » ، ويراد بهم خصوص الفقهاء بادّعاء انحصار العلم في الفقه .
الثاني : أن يكون استعماله فيه لا بهذا النحو ، بل بأن يستعمل في العموم من غير ادّعاء ويراد به جدّا بعضهم ويعلم ذلك بالاستثناء ونحوه .
أمّا الأوّل ، فحكمه حكم المجاز ، وأمّا الثاني ، فليس التصرّف في العموم تصرّفا في ظهوره حتّى يقال : بأنّه بسبب أظهرية الخاصّ ، بل هو تصرّف في الأصل العقلائي ؛ أعني به أصالة الجدّ ، بل لا وجه لأظهرية الخاصّ أصلًا ، إذ قوله : « أكرم كلّ العلماء » ، وقوله : « لا تكرم كلّ الفسّاق من العلماء » سيّان فيما يرتبط بالظهور اللفظي فإنّ قوله : « أكرم » ظاهر في الطلب الحتمي ، كما أنّ « لا تكرم » ظاهر في الزجر الحتمي من غير مزيّة في ظهور أحدهما ، وكذا قوله :
« كلّ » في كليهما ظاهر في معناه وهو الشمول بل نصّ فيه ، إذ ليس معناه إلّا الجميع ولا يمكن أن يستعمل ويراد به البعض بحسب مقام الاستعمال ، وكذلك العلماء والفسّاق كلّ منهما ظاهر ، بل نصّ فيما وضع له . وعلى هذا فتقديم الخاصّ على قوله : « أكرم كلّ العلماء » ليس بتصرّف في ألفاظ هذه الجملة وظهوراتها ، بل يكون كلّ منهما مستعملًا فيما وضع له من غير ادّعاء في البين أصلًا .