وبذلك يظهر : أنّ الحكومة لا تتصوّر إلّا في الدليلين اللفظيين ولا يتصوّر في لفظي وعقلي ، ولا في عقليين والأصل والدليل العقلائي كالعقلي في عدم اللسان .
نعم ، يتصوّر الورود فيما إذا كان المورود عقليا أو عقلائيا أيضا ، وأمّا الوارد فيجب أيضا أن يكون لفظا ، إذ « الورود » بمعنى الخروج الحقيقي بعناية التعبّد ، « 1 »
هامش
( 1 ) - أقول : ذكر لفظ « التعبّد » في تعريف الورود مسامحة ، بل المعتبر في تعريفه هو : كون الخروج الحقيقي بسبب الحكم والنسبة الواقعة بين الموضوع والمحمول في الدليل الآخر عقليا كان أو شرعيا ، وبذلك يمتاز عن التخصّص .
توضيح ذلك : أنّ الورود والحكومة والتخصيص تمتاز بأجمعها عن التخصّص بأنّها لا تفرض إلّا بين دليلين متكفّلين لحكمين ، وأمّا في التخصّص فلا يلزم أن يكون في البين حكمان ، فلو قال المولى : « أكرم العلماء » وكان زيد جاهلًا كان خارجا عن العلماء بالتخصّص ، سواء صدر من الشارع حكم آخر بمفاد لا تكرم زيدا أم لا ، وأمّا الثلاثة الأخر فيشترط في تحقّقها وجود حكمين ، وحينئذٍ فإن كان تحقّق أحد الحكمين موجبا لتضيّق موضوع الآخر حقيقة كان واردا عليه وإن كان موجبا لتضيّقه حكما وادّعاءً كان حاكما عليه وإن لم يكن كذلك كان تخصيصا ، وتحقيق الفرق بين الثلاثة قد مرّ سابقا ، فراجع .
فإن قلت : الحكم الشرعي حيث يكون حادثا يمكن أن يقال فيه : بأنّ تحقّقه موجب لتضيّق موضوع الآخر حقيقة ، وأمّا الحكم العقلي فهو ثابت من الأزل ، فكيف يتصوّر الورود فيه ؟
قلت : الحكمان العقليان وإن كانا في مرتبة كليهما ثابتين من الأزل ولكنّهما في هذه المرتبة لا يتنافيان أيضا ، وإنّما التنافي بينهما في مرتبة التطبيق على المصاديق وفي مرتبة التنزّل إلى الجزئية ، وفي هذه المرتبة يمكن أن يكون هنا فرد لو جعل مصداقا لأحدهما وحكم عليه بحكمه خرج عن موضوع الآخر حقيقة دون العكس ، فحينئذٍ يقال : إنّ الأوّل وارد على الثاني .
وبالجملة : فالورود عبارة عن خروج فرد عن موضوع حكم حقيقة بعناية تحقّق حكم آخر ، بحيث لولا هذا الحكم كان داخلًا فيه ، وهذا من غير فرق بين أن يكون الحكمان ثابتين بدليلين لفظيين أو عقليين أو مختلفين .
ومما ذكرنا : يظهر أنّه لا يتصوّر جامع بين التخصّص وبين الثلاثة الأخر ، إذ جامع الثلاثة الحكمان المختلفان ، وأمّا التخصّص فلا يشترط في تحقّقه تحقّق الحكمين ، فافهم وتدبّر . [ المقرّر حفظه اللّه ]