الظاهر من الآية كفاية عدم وجدان الحرام في ترتيب آثار الحلية ، فان عدم وجدان النبي وان كان مساوقا لعدم الوجود ، إلّا ان في العدول عن التعبير بعدم الوجود والتعبير بعدم الوجدان إشارة إلى المدعى .
تزييف ثمّ تشييد
وفيه أولا : امكان كون العدول عن ذاك التعبير بهذا مراعاة للأدب في مقام المجادلة ورعاية لقوله تعالى
« وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ »
« 1 » كما ذكره المحقق الخراساني . وثانيا :
شيوع هذا التعبير في مقام عدم الوجود واقعا ، فإنه يقال مثلا : لا يوجد في البيت ماء ، فيما لم يكن الماء فيه واقعا . وثالثا : ان غاية ما في الباب كون عدم وجدان الحرام فيما أوحى إلى النبي وصدر عن الله تعالى كافيا في ترتيب آثار عدم الحرمة لا عدم وجدانه فيما بقي بأيدينا من الاحكام بعد احتمال اختفاء كثير منها بل العلم به .
هذا ، ولكن الانصاف امكان الاستدلال بالآية بضميمة ما قبلها وبعدها ، بل يمكن الاستدلال بما قبلها فقط ، وتقريبه ان اليهود لما كانوا يقولون : ان ما في بطون الانعام حلال على ذكورنا وحرام على أزواجنا ، كما يدل عليه قوله تعالى :
« وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا »
« 2 » وكانوا يحرمون ما أحل الله افتراء عليه ، كما يدل عليه قوله تعالى :
« وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِراءً عَلَى »
« 3 » خاطبهم الله تعالى بقوله :
« كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ »
« 4 » إلى أن قال :
« قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ »
« 5 » إلى أن قال :
« فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ »
« 6 »
« قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً »
« 7 » الآية ، فان الآيات من الصدر إلى الذيل تدلّ على حرمة الافتاء بغير علم والحكم بالتحريم بغير العلم أو الظن
هامش
( 1 ) . سورة النحل ، الآية 125 .
( 2 ) . سورة الأنعام ، الآية 139 .
( 3 ) . سورة الأنعام ، الآية 140 .
( 4 ) . سورة الأنعام ، الآية 142 .
( 5 ) . سورة الأنعام ، الآية 143 .
( 6 ) . سورة الأنعام ، الآية 144 .
( 7 ) . سورة الأنعام ، الآية 145 .