أخرى يكون فيها فعليا قابلا للاجراء فان من ينشئ القوانين ينشئها تارة بحيث لا يريد من المشمولين اجراءه ، وأخرى بحيث يريد ذلك ، وحينئذ يمكن تعلق التكليف بالحكم بلحاظ إجرائه ، ويصير تعلقه حينئذ نحو تعلق المفعول به بالفعل ، فالمعنى لا يكلف الله نفسا الا فعلا أو تكليفا أتاها ، وتكليف الفعل بلحاظ نفسه كما أن تكليف الحكم بلحاظ اجرائه ، وإيتاء الفعل أقدار العبد عليه كما أن إيتاء التكليف اعلامه .
الثالثة : وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً . . .
ومن الآيات التي استدل بها على البراءة في الشك في التكليف قوله تعالى
« وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ »
اي ما يجتنبونه من فعل الحرام وترك الواجب ، وطريق الاستدلال بها ان كان المراد من الاضلال التعذيب عين الاستدلال بالآية الشريفة
« وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا »
« 1 » والكلام فيها عين الكلام في تلك الآية . وان كان المراد منه الحكم بالضلال كما عن بعض التفاسير أو وجدان القوم ضالا كما هو المناسب لمعناه على ما نقل أهل اللغة فواضح ، ضرورة ان عدم الحكم بالضلال أو عدم الوجدان ضالا ما لم يكن في البين بيان مساوق لعدم كون الاقتحام في الشبهات ضلالة ، وهو مساوق لنفى الحكم والاستحقاق كما لا يخفى . وان كان المراد منه الخذلان وكان المراد من الخذلان نفى التوفيق فقط أو ايكاله على نفسه كذلك فبالفحوى فتأمل ، واما لو كان المراد من الاضلال الخذلان مع كونه بمعنى طرد العبد عن العبودية فلا أولوية في البين كما لا يخفى بل يمكن منع الأولوية مطلقا ، ولو كان المراد من الخذلان نفى التوفيق أو ايكال العبد على نفسه كما عرفت منا التأمل ، والحاصل انه منوط بكون ما تنفيه الآية أخفّ من العذاب وإلّا فلا مجال للأولوية فتدبر جيدا .
الرابعة : قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ . . .
ومنها : قوله تعالى
« قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً »
« 2 » الآية ، وتقريب الاستدلال ان
هامش
( 1 ) . سورة الإسراء ، الآية 15 .
( 2 ) . سورة الأنعام ، الآية 145 .