وقد قيل في بيان المعنى الحرفي وجوه :
منها : ما في « الكفاية » من أنّه لا فرق بين المعنى الاسميّ والحرفي في أصل المعنى وجوهره ، لا في ناحية الموضوع له ولا في ناحية المستعمل فيه ، بل كلمة « من » ولفظ « الابتداء » كلاهما موضوعان لمعنى واحد ومفهوم فارد وهي الماهيّة المهملة الّتي في حدّ نفسها لا مستقلّة ولا غير مستقلّة ، بمعنى أنّه لم يجعل لحاظ كون المعنى آلة وحالة للغير جزءا للموضوع له ولا للمستعمل فيه في الحروف ، كما أنّه لم يجعل لحاظ الاستقلاليّة جزءا لأحدهما في الأسماء . وقد استدل لعدم كون هذا اللحاظ جزءا لأحدهما في الحروف بوجوه ثلاثة :
الأوّل : أنّه لو كان هذا اللحاظ جزءا لأحدهما في الحروف لزم أن يكون الموضوع له أو المستعمل فيه - بناء علي الاحتمالين - من قبيل الكليّ العقليّ وحينئذ لا ينطبق علي الخارجيّات .
الثاني : أنّه لو كان هذا اللحاظ جزءا لأحدهما لزم أن يتعلّق بهذا اللحاظ لحاظ آخر مقوّم للاستعمال ، لأنّه لا معنى للاستعمال إلّا لحاظ ما يراد من اللفظ وإلقاء اللفظ بإزائه .
الثالث : انّه اي فرق بين المعنى الاسميّ والحرفيّ في هذا المقام فكما أنّ أحدا لم يتوهّم أن يكون لحاظ كون المعنى مستقلّا جزءا لأحدهما في الأسماء فليكن كذلك في الحروف .
وحينئذ فلا خصوصيّة للموضوع له ولا للمستعمل فيه في الحروف لا من حيث وجوده ذهنيّا ولا من حيث وجوده خارجيّا ، فإنّه كثيرا ما يستعمل في العامّ كقولنا « سر من البصرة إلى الكوفة » أو « أسير . . . » ممّا وقع الحرف تلو الأمر أو المضارع ، فإنّه لا إشكال في عدم وجوده بعد ، والشيء إنما يتشخّص عند الوجود .
إن قلت : علي هذا لم يبق فرق بين الاسم والحرف في المعنى ولزم كون مثل كلمة « من » ولفظ « الابتداء » مترادفين صحّ استعمال كلّ منهما في موضع الآخر ، وهكذا سائر الحروف مع الأسماء الموضوعة لمعانيها ، وهو باطل بالضرورة كما هو واضح .
قلت : الفرق بينهما إنّما هو في اختصاص كلّ منهما بوضع ، حيث إنّه وضع الاسم ليراد منه معناه بما هو هو وفي نفسه ، والحرف ليراد منه معناه لا كذلك بل بما هو حالة لغيره .
المحاضرات ( مباحث اصول الفقه ) — صفحة 47
مساهمون: المحقق الداماد
ص٤٧