الأمر الثاني في الوضع وفيه جهات من البحث ،
الجهة الأولى في حقيقة الوضع
وقد عرّفه صاحب « الكفاية » قده بأنّه « نحو اختصاص اللفظ بالمعنى وارتباط خاصّ بينهما ناش من تخصيصه به تارة ومن كثرة استعماله فيه أخرى ، وبهذا المعنى صحّ تقسيمه إلى التعيينيّ والتعيّنيّ كما لا يخفى » .
وهذا النحو من الارتباط يوجب أن يصير اللفظ فانيا في المعنى بحيث لا يري عند إلقائه إلى المخاطب إلّا المعنى كالمرآة الّتي لا يري فيها إلّا المرئىّ ، وأن يسري الحسن والقبح من المعنى إلى اللفظ ويؤثّر فيه . والتخصيص به لا يحتاج إلى إنشاء الوضع دائما ، بل يكون بذلك تارة وبالاستعمال بداعي الجعل أخرى ، بأن يقول مثلا : « ايتني بأحمد » قاصدا من هذا الاستعمال وضعه له .
وقال النهاوندي قده في « تشريح الأصول » : إنّه عبارة عن تعهّد الواضع والتزامه بإرادة المعنى من اللفظ في استعمالاته للّفظ بلا قرينة . وتبعه في ذلك في « الدرر » .
ويرد عليه أوّلا : أنّ الواضع إنما تعهّد علي نفسه والتزم بذلك ، وذلك لا يوجب تعهّدا علي الغير فكيف يكون حال اللفظ في استعمالات غيره ؟ !
وثانيا : انّ ذلك لا يعقل في الألفاظ الّتي لا تقع مورد استعمال الواضع ولا يحتاج اليه ، لأنّه بعد العلم بعدم افتقاره إليه وأنّه لا يستعمله أصلا كيف يتعهّد بذلك ؟ !
وثالثا : أنّه لا يتمّ في الوضع التخصّصي ، فانّه ليس هناك واضع يتعهّد بذلك .
وقال جمع آخر : هو عبارة عن جعل اللفظ علامة علي إرادة المعنى الفلانيّ .
وهو أيضا لا يناسب سراية الحسن والقبح من المعنى إلى اللفظ كما لا يري ذلك في سائر العلامات ، وإن كان يمكن توجيهه في الوضع التخصّصي بأنّه انجعال للّفظ علامة ، كما يري ذلك في العلامات الّتي يجعل علي رأس الفواصل والفراسخ ، فإنّه قد يجعله أحد متعهّدا وقد يكون الحجر بنفسه علي رأس الفرسخ فيحسب علامة له .