وبالجملة فالغرض في علم الأصول تمهيد قواعد تقع في طريق العلم بتنجّز الأحكام أو تعذّرها ، وبعبارة أخرى : ما هو منجّز أو معذّر ، ومن الواضح أنّ ذلك لا بدّ وأن يستند إلى بعض الأدلّة الأربعة ، واحدا أو أكثر ، وذلك بان يدلّ أحد من الأدلّة الأربعة - بعد الفراغ عن دليليّتها في الجملة - علي حجّيّة شيء بمعنى منجّزيّته للحكم أو معذّريّته عنه ، ولذلك يري أنّه يستدلّ لحجّيّة الخبر الواحد مثلا بالكتاب أو الخبر المتواتر الّذي من السنّة أو السيرة الّتي لم يردع عنها الشارع الراجعة بالأخرة إلى فعل الإمام الّذي هو من مصاديق السنّة ، وكذلك في كل مبحث من مباحث علم الأصول والفقه لا بدّ وأن يكون المستند ما يرجع إلى أحد الأدلّة .
ثمّ إنّك قد عرفت في بيان موضوع علم النحو أنّ الموضوع هو القدر المشترك بين المحمولات الّذي يبحث في العلم عن تعيّناته وخصوصيّاته وهي من عوارضه ، كما أنّا نعلم أنّ للكلمة هيئة ونريد أن نعيّن انّها الرفع أو النصب أو الجرّ ، فكذلك في المقام فإنّا نعلم إجمالا أنّ الأدلّة الأربعة بوصف دليليّتها - أي بعد العلم بدليليّتها - تدلّ علي أحكام تنجّز بعضها تارة وتعذّر عنه أخرى ، فيقع الكلام في تعيّناتها وأنّها علي أي شيء تدل وأنّه هل يدلّ الكتاب علي حجّيّة خبر الواحد أولا ؟ وهل يدلّ علي حجّيّة الإجماع أو لا ؟ وغير ذلك من المباحث . والفارق بين مباحث الفقه والأصول حينئذ هو الغرض وأنّه في الفقه يبحث عن دلالتها علي أفعال المكلّفين وما هو متعلّق بها بلا واسطة ، وفي الأصول عمّا يتعلّق بالقواعد الكليّة وما يدلّ عليها ، فيقال : الكتاب يدلّ علي حجّيّة الخبر الواحد ، فالموضوع هو الكتاب بوصف دليليّته ومحموله الدلالة علي ما يكون هو من عوارضه بالمعنى الّذي عرفت ، وحينئذ فلا تجد بحثا من المباحث لا يرجع إلى الأدلّة الأربعة ولا يكون من عوارضها كما لا يخفى .
هذا تمام الكلام في موضوع علم الأصول وتعريفه ، وقد عرفت في ضمنها الغرض من العلم ، وهي الثلاثة الهامّة الّتي يبحث عنها في ابتداء العلم زيادة لبصيرة متعلّمه وفّقنا اللّه لإتمامه .
المحاضرات ( مباحث اصول الفقه ) — صفحة 43
مساهمون: المحقق الداماد
ص٤٣