تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مبانى الفقيه — صفحة 216

مساهمون:

ص٢١٦
وقد جعلت الشريعة هذه العقوبات متدرجة ومترتبة ترتبا حكميا مشروطا بأن لا يستلزم مفاسد تعادل مفاسد الشذوذ أو تزيد عنه ، فإذا لزم منها شيء من ذلك لم تشرع . ويبتدئ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالخطوات الهيّنة العريضة القائمة على الرفق واللين والتواضع كما يوحيه قوله سبحانه وتعالى
ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ
« 1 » ، وكما يوحيه قوله تعالى
وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً
« 2 » ، وهذه الآية الكريمة وإن كانت بظاهرها مسوقة للثناء على المؤمنين وتعريف الناس بهم بذكر صفاتهم التي تميزهم عن غيرهم ، إلا أنه لا يبعد أيضا أن يكون المقصود منها إيصاء المؤمنين بضبط الأعصاب ، ومكافحة الكبر والنزق والحثّ على التواضع والتحلي بالرويّة والأناة والأمر بمبادلة ما يصدر من الجهّال بالعفو والتسامح ، ويكون المقصود منها تحفيز الناس إلى الاتصاف بهذه الصفات ، فتكون حينئذ من الجمل الخبرية المستعملة في مقام الطلب ، ويكون التعرض للمشي على الأرض هونا تعرضا لأقل ما ينبغي أن يكون المؤمن عليه من صفات الكمال المحرك إلى الاتصاف بما هو أسمى من ذلك من الصفات بمقتضى مفهوم الموافقة كما في قوله تعالى
فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ
الدال على النهي عن السبّ والضرب وأنواع الأذى بالأولوية القطعية . بهذا يبتدئ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فإذا لم يتنفع المأمور والمنهي بذلك يكون قد عرّض نفسه للعقوبات وتكون عقوبته على قدر جرمه وعلى قدر
هامش
( 1 ) - النمل آية 125 . ( 2 ) - الفرقان آية 163 .
مبانى الفقيه — صفحة 216 | الشيخ محمد تقي الفقيه