الموكب فيتحرك بداعي الغريزة والفكر والعقل ، فإذا أهمل الإنسان الفكر والعقل وتحرك بعامل الشهوة والغريزة والحاجة انحط الإنسان إلى درجة الحيوانات بل كان الحيوان أفضل منه ، لأن الحيوان لم يضيع شيئا من مواهبه بخلاف الإنسان ، فإنه إذا تحرك بدافع الغريزة فقط يكون قد أضاع موهبة العقل وموهبة السماء ، أعني الشرائع المقدسة بإرادته واختياره ، وهذا الصنف من الناس هو المعني بقوله تعالى :
وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ
« 1 » وقوله تعالى
أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا
« 2 » ومن أجل تزويد الإنسان بالغرائز والفكر والعقل كانت مسئوليته أكبر ومهمته في الحياة أشق ، ومن أجل تزويده بهذه القوى الخارقة جعله اللّه سبحانه سيد الطبيعة وسخر له كل ما في الكون ، وإذا كان ما يصنعه الانسان من الخوارق معجزة له فالإنسان نفسه معجزة اللّه سبحانه .
ثم بعد ما يتنبه الإنسان إلى ما خلق له يصبح مندفعا بدافع غريزة حب الذات والخوف والاطلاع على طلب المعرفة والوقوف على النهاية ، وهنا ينتقل دور المصلح والواعظ إلى دور التعليم لمن يرغب في التعلم ، ثم بعد التعلم يبدأ دور الامر بالمعروف والنهي عن المنكر بحثّ الناس على العمل بما يعرفونه من الخير ونبذ ما يعرفونه من الشر ، ثم يرتفع دور العمل إلى دور الإخلاص للّه سبحانه ، ونعني بالعمل عن إخلاص أن يقصد بأعماله الخيرة وبترك ما يتركه من الأفعال المذمومة وجه اللّه سبحانه ولا يطلب بذلك رضا الناس .
هامش
( 1 ) - الأعراف 178 .
( 2 ) - الفرقان 44 .