فإذا فعلوا ذلك وأراد من له قابلية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يقوم بواجبه هذا ، وجد النفوس متأزمة والأجواء غير ملائمة ، ويكون ذلك سببا إما في عدم تأثيره أصلا ، وإما في صعوبة الدخول فيه واحتياجه إلى تحمل الأذى والمرارة ، أما إذا لم يكن شيء من ذلك وثبت الجرم وقام من له قابلية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالتنبيه والنصح والإرشاد فيما بينهما سرا ، فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حينئذ يكون مظنة التأثير ولا يكون مسبوقا بالآثام والفتن والقيل والقال ، ولا ملحوقا بشيء من ذلك وهذا شيء واضح يدركه كل فاهم .
الوقفة الثانية :
في أنه هل يجوز لمن رأى المنكر بعينه أو سمع بأذنه أن يتحدث به إلى ولاة الأمر أو لا ؟
إنه سؤال ينحل إلى سؤالين :
أولهما : في أنه هل يجب عليه الإعلام أو لا ؟
والجواب : أنه لا ريب في أنه لا يجب عليه ذلك ، لأن الشبهة وجوبية والأصل فيها البراءة عند جميع العلماء ، مضافا إلى استفادة عدم الوجوب من الروايات المتقدمة .
ثانيهما : في أنه هل يجوز له ذلك أو لا ؟
والجواب : أن مقتضى الأصل هو الجواز ، لأن الشبهة تحريمية ومقتضى الأصل البراءة ، والنصوص التي أوردناها في أصل قاعدة حمل فعل المسلم على الصحة منصرفة عما نحن فيه ، ولكن مع ذلك فمقتضى الاحتياط الترك إلا إذا كان يخشى من عدم إعلام الحكام استفحال الفساد وتفشيه .
ثم لا يخفى على القارئ أنه إذا قام شخص بهذه المهمة وأخبر المسؤولين بذلك عرّض نفسه لأمر صعب ، فإن المتهم إذا أقرّ بما أخبر المخبر أو قامت البينة