تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مبانى الفقيه — صفحة 158

مساهمون:

ص١٥٨
والعادية فإنها أمور خارجة عنها ولا علاقة له من حيث كونه شارعا في شيء منها . واعلم أيضا أن العقل له أحكام يدركها ويستقل بها ، كحرمة القتل والظلم وما أشبه ذلك كما يستقل في الحكم بامتناع اجتماع النقيضين وارتفاعهما ، وامتناع اجتماع الضدين ، وفي كون الكل أعظم من الجزء ، وفي كون الواحد نصف الاثنين ، وفي كون كل زوج ينقسم إلى متساويين ، إلى غير ذلك من الأمور البديهية المترتبة على المقدمات المحسوسة أو شبه ذلك . واعلم أن العقل لا يحكم إلا بعد إدراك مناطاته التي منها إدراك الموضوع وإحرازه إحرازا كاملا ، وأنه لا يشك إلا إذا اختل شرط أو جزء أو شأن من شؤون الموضوع ، وأنه حينئذ لا يحكم بشيء ، ومنه يتضح أن الاستصحاب بالنسبة للعقل نفسه لا أثر له ولا قيمة لأنه ظن ، وأن الشارع أيضا لا يهتم في مثل هذه الأمور لأنها ليست شأنا من شؤونه ولا دخل لها من حيث هي في الأحكام الشرعية ومتعلقاتها . إذا عرفت هذا كله فاعلم أيضا أنه لا معنى لبحث أهل العلم في استصحاب حكم العقل ، واعلم أيضا أن ما ذكروه في كتبهم المطوّلة مسبب عن تسامح بعض العلماء أو غفلتهم الذين تعرضوا لاستصحاب حكم العقل ، ثم قرّبوه وبعّدوه ، ومع ذلك كله نقول إن ما ذكروه لا يكون له منشأ إلا في موردين : الأول : استصحاب عدم التكليف بالنسبة لغير البالغ ، فإن المقصود منه عدم تكليفه في حال الصغر إما لقبح تكليف العاجز كما في غير المميز ، وإما للأدلة الخاصة كحديث رفع القلم ونحوه بالنسبة للميز ، وأما العدم الأزلي فإنه غير مقصود لهم منه قطعا ، ولذا يعبرون باستصحاب حال التكليف حال الصغر .