يكون الشك في الحكم الكلي ناشئا من عدم وضوح دليل الحكم في بعض موارده ، كالشك في طهارة الماء المتنجس بالتغير إذا زال تغيره من قبل نفسه ، فإن الفقيه لا يستطيع أن يفتي باستصحاب نجاسته إلا بعد البحث والفحص عن الأدلة ، ومن أجل هذا نسميه حكما كليا ، ونسمي الشبهة حكمية .
وهذا كله بخلاف الاستصحاب الجاري في الموضوعات الخارجية المعبر عنها بالشبهة الموضوعية ، التي ينشأ الشك فيها عن وجود الرافع أو رافعية الموجود ، كاستصحاب الحياة والطهارة وغيرها ، فإنه وإن لم يجز للمكلف العمل إلا بعد الاعتماد على الفقيه ، إلا أن متعلقه موضوع لا يجب فيه الفحص بخلافه في الشبهة الحكمية بقسميها .
الأمر الرابع :
لا يخفى أن صدق القضية الشرطية بكلا طرفيها لا يتوقف على تحقق موضوعها خارجا ، ألا ترى أن قولنا إذا كانت الشمس طالعة كان النهار موجودا هو قضية ضرورية وذلك لأن الملازمة ضرورية ، وثبوت هذا اللازم بمجرد ثبوت الملزوم أيضا ضروري ، ولذا اشتهر قولهم صدق القضية الشرطية لا يتوقف على صدق طرفيها ، وهم يعنون بالصدق هنا وجود الطرفين خارجا ، ومن ذلك يتضح أنه لا فرق في ما ذكرناه بين القضية الشرطية والقضية الحملية إذا كان مؤداهما واحدا ، فقولنا طلوع الشمس ملازم لوجود النهار ووجود النهار ملازم لطلوع الشمس مساو لقولنا إذا كانت الشمس طالعة كان النهار موجودا ، ويتضح أن الفرق في التأدية لا في المؤدى ، ومن ذلك يتضح أنه لا فرق بين قولنا ماء العنب إذا غلى حرم ، أو حرم ونجس ، وبين قولنا ماء العنب المغلي أو الغالي حرام أو حرام ونجس .