والحاصل : أنّه لا فرق إشكالًا وجواباً بين الواجب والمستحبّ . نعم ، الفرق بينهما في ما كان الأمر الاستحبابيّ بصدد ترجيح فعل شيء على تركه ، كما في استحباب صلاة الليل واستحباب قضاء حاجة المؤمن ، فإنّهما صادقان من حيث ذاتهما عند التزاحم أيضاً ، لأنّه ليس مفاد كلّ منهما إلّا ترجيح فعله على تركه لا ترجيح أحدهما على الآخر ، بخلاف ما لو كان كلّ من المتزاحمين واجباً ، فإنّ مثل هذا الحكم الحيثيّ يوجب التعارض والتزاحم ، إذ مفاده ترجيح الفعل على الترك بنحو لا يرضى بالترك ، وذلك موجب لعدم الجمع بينهما في الخارج ، وهذا غير مربوط بما إذا كان مفاد دليلٍ استحبابَ ترجيح خبر على خبر آخر أو وجوبَه ، فإنّه لا فرق بينهما في استظهار الحيثيّة والفعليّة ولا في ما هو نتيجة ذلك من رفع الاختلاف وعدمه .
وما ذكرناه ناظر إلى ما أفاده الأُستاذ العلّامة الوالد - تغمّده اللَّه برحمته وغفرانه ورضي اللَّه عنه وأرضاه - في درره الشريف من التنبيه على إشكال عدم الفرق والجواب بأنّ أكثر أدلّة المستحبّات ظاهرة في الأحكام الحيثيّة ، بخلاف الواجبات « 1 » ، فافهم وتأمّل .
وأمّا الخامس ( وهو أنّ بعض أدلّة الترجيح ليس مفاده ترجيح إحدى الحجّتين على الأخرى
بل مفادها تمييز الحجّة عن اللاحجّة ) فتوضيحه أنّ المقصود من الترجيح هو أنّه بعد وجود المزيّة يكون التعارض محفوظاً وباقياً بملاحظة أصل دليل الحجّيّة ومع قطع النظر عن الحكم بالترجيح بالمرجّح ، بل مع فرض الترجيح به يكون دليل الحجّيّة شاملًا لكليهما على حدّ سواء ، كالترجيح بالأعدليّة والأفقهيّة ، لكن يرجّح أحد الخبرين بأدلّة العلاج ، ومفاد بعض تلك الأخبار هو عدم شمول دليل الحجّيّة لأحد الخبرين وخروج أحد الخبرين عن تحت دليل الحجّيّة ، فهو ليس من قبيل ترجيح إحدى الحجّتين على الأخرى مع فرض مشموليّتهما لدليل الحجّيّة ، بل من
هامش
( 1 ) درر الفوائد : ص 666 .