وثانياً : أنّ المقصود من لسان الدليل ليس ما يكون مقتضى الجمود على ألفاظ الدليل ، بل المقصود هو ما يفهم العرف من الدليل أنّه موضوع للحكم واقعاً ولو بالمناسبات بين الحكم والموضوع ، فلا فرق أيضاً بينهما .
وإن كان المقصود أنّه قد يحكم العرف - بالمناسبات العرفيّة - بأنّ العنوان المأخوذ في موضوع الدليل يكون من الجهات التعليليّة ، فيردّد بين كونه علّةً للحدوث أو له وللبقاء ، فيستصحب بناءً على أخذ الموضوع من العرف ولا يستصحب بناءً على الأخذ من الدليل ، وهو الّذي تفصّى به عن الإشكال في المقالات « 1 » .
ففيه : أنّه إذا علم بالمناسبات العرفيّة أنّ التغيّر - مثلًا - جهة تعليليّة فالمستفاد من الدليل بضمّ المناسبات العرفيّة كونه جهةً تعليليّةً ، فلا فرق بينه وبين الأخذ من العرف ؛ وقد تقدّم حتّى منه قدس سره أنّ المقصود من الرجوع إلى لسان الدليل هو الرجوع إليه في الموضوع الّذي يفهم أنّه عنوان للحكم مع ملاحظة القرائن الداخليّة والخارجيّة من المناسبات العرفيّة والقرائن المقاميّة وغير ذلك .
وإن كان المقصود أنّهم في نظائر تلك الأحكام يجعلون العنوان المذكور في الدليل حالةً لثبوت الحكم لا عنواناً وقيداً .
ففيه : أنّه لا وجه لقياس أحكامهم بالأحكام الشرعيّة المفروض إجراء الاستصحاب فيها ، والمفروض أنّهم فهموا قيديّة وصف خاصّ في ذلك الحكم المورد للاستصحاب .
ويمكن الجواب بأنّ هنا شقّاً خامساً ، وهو أنّهم مع فرض أخذ العنوان قيداً للموضوع يجوّزون نسبته إلى الذات باعتبار اتّصافه بالعنوان المذكور ، فينسبون وجوب القصر المتعلّق بالمسافر إلى المكلّف البالغ العاقل إذا كان مسافراً ، وهذا بخلاف النجاسة العارضة للكلب فلا يقولون هذا نجس إذا كان كلباً .
هامش
( 1 ) مقالات الأصول : ج 2 ص 339 .