والجواب عنهما : ما اتّضح في المقدّمة من أنّ العامّ والخاصّ الصادرين عن الأئمّة عليهم السلام يشملان ما قبلهما ، لأنّ حكمهم إرشاد إلى حكم اللَّه ، فمعنى « أكرم العلماء » أنّ الحكم الإلهيّ النازل على الرسول صلى الله عليه وآله ذلك ، كما أنّ مفاد « لا تكرم الفسّاق من العلماء » أيضاً كذلك ، فالعامّ المتأخّر يشمل ما قبله ، فالنسبة تكون هي العموم المطلق ، كما أنّ الخاصّ المتأخّر أيضاً يشمل ما قبله ، فيكون مقتضياً على خلاف العامّ حتّى بالنسبة إلى ما قبل صدوره .
الرابع : أن يتوهّم أنّ مقتضى الحفظ على عموم العامّ هو رفع اليد عن مقتضى الخاصّ بالمقدار الممكن ، وهو يقتضي أن يكون العامّ المتأخّر ناسخاً والخاصّ المتأخّر كذلك .
وفيه : أنّ التوهّم المذكور موجب لانقلاب أساس العامّ والخاصّ والمطلق والمقيّد ، إذ لا شبهة أنّ إطلاق الخاصّ مقدّم على إطلاق العامّ ، ولذا لو قال : « أكرم العلماء » و « لا تكرم الفسّاق من العلماء » لم يتفوّه أحد بالاقتصار على القدر المتيقّن بالنسبة إلى الخاصّ فيقال بالاقتصار على من ارتكب منهم أكبر الكبائر من المعاصي - كالكفر والشرك والقتل - ويتمسّك في الباقي بالعموم . والسرّ في ذلك أنّ الخاصّ يصلح أن يكون قرينة على العامّ بإطلاقه دون العكس ، وذلك عرفيّ وإن لم تكن حكومة في البين من جانب الخاصّ على العامّ ، وإلّا ففيه أظهر كما لا يخفى .
ومن ذلك كلّه ظهر وجه أنّه لا بدّ من القول بالتخصيص في الأحكام الواصلة عنهم عليهم السلام مطلقا .
ويزيد ذلك وضوحاً عدم معهوديّة النسخ في الأحكام الصادرة عنهم أصلًا ، فإنّك لا تجد مورداً على الظاهر يكون مقتضاه أنّ الحكم كان في زمن النبيّ والوصيّ عليهما السلام مثلًا هو الحرمة واليوم نسخ ذلك ، فلا حرمة في البين من جهة وجود الناسخ عندهم .
هذا كلّه بالنسبة إليهم عليهم السلام .
وأمّا الأحكام الواردة في القرآن الكريم ففيه تفصيل ، فإنّه :
إن كان المتأخّر قبل حضور وقت العمل بالمتقدّم فلا بدّ من التخصيص :
مباني الأحكام في أصول شرائع الإسلام — صفحة 642
مساهمون: الشيخ مرتضى الحائري
ص٦٤٢