وأمّا على فرض الانفصال فلا يقدّم أحدهما على الآخر إلّا إذا كان أحدهما أظهر . ولا يقاس المنفصل بالمتّصل ، فإنّ القياس المذكور إنّما هو في ما إذا كانت الجهة الّتي بها يقدّم في المتّصل موجودةً بعينها في المنفصل وهي أقوائيّة الظهور الموجبة لصيرورته قرينة على التصرّف في الجانب الآخر ، وتلك الأقوائيّة في المنفصل موجبة لصرف الحجّيّة عن الجانب الآخر وتوجيههما إلى نفسه ، وفي المقام ليس الأمر كذلك ، فإنّ الجهة الموجبة للتقدّم في المتّصل إعدام موضوع أحد الظهورين ، وذلك لا يكون في المنفصل .
فتلخّص من جميع ذلك أنّ ملاك التقدّم أمور ثلاثة : الأوّل : الحكومة مطلقا .
الثاني : ظهور الوضعيّ مع كون ظهور الجانب الآخر إطلاقيّاً في المتّصل إذا لم تكن الجملة الإطلاقيّة حاكمة ، وإلّا فتقدّم على الآخر وإن كان وضعيّاً متّصلًا بها . الثالث : الأظهريّة .
إذا عرفت الكلّيّة المذكورة فنقول : أكثر المفاهيم منفصلات عن العمومات وليس لها حكومة عليها ، فيدور الأمر في الأكثر مدار الأظهر . والظاهر أنّ أظهريّة المفهوم عن العموم غير ثابتة في ما إذا كان المورد قابلًا لتعدّد الحكم عرفاً كما في مثال « أكرم العلماء » و « إن جاءك زيد العالم فأكرمه » ، لإمكان حمل المفهوم على بيان إناطة فرد من الحكم على المجيء وكان فرد آخر منه متعلّقاً بإكرام زيد العالم مطلقاً جاء أو لم يجئ ؛ وأمّا إذا لم يكن قابلًا لتعدّد الحكم كما في قوله عليه السلام : « خلق اللَّه الماء طهوراً لا ينجّسه شيء » ( 1 ) وقوله عليه السلام : « إذا كان الماء قدر كرّ لم ينجّسه شيء » ( 2 ) فلا ريب أنّ المفهوم أظهر من العموم ، إذ الحمل على أظهريّة الحكم في مورد القيد أو كون القيد ذا ملاك للحكم خلاف الظاهر ، فيكون ذلك أظهر من العامّ .
وأمّا إذا كان متّصلًا وكان ظهوره في المفهوم وضعيّاً وكان ظهور العامّ في العموم
هامش
( 1 ) وسائل الشيعة : ج 1 ص 101 ح 9 من ب 1 من أبواب الماء المطلق .
( 2 ) وسائل الشيعة : ج 1 ص 117 ، الباب 9 من أبواب الماء المطلق .