شرح
من مصادر التشريع بنحو الأعمّ من الموجود في الكتب الّتي تصل إليها أيدينا وغيره ، ومقتضى ذلك هو الاحتياط بعد الفحص أيضاً .
والجواب عنه : أنّه إن ظفرنا بالمخصّص والمقيّد بمقدار المعلوم بالإجمال في الكتب فلا يجب الاحتياط بعد ذلك ، لأنّ الملاك في الإجمال والانحلال هو التكليف ، والانحلال حاصل كما في العلم بالاجتناب عن ثلاث إناءات في الإناءات الخمسة الّتي إحداها أبيض والباقي أسود ، فلو علمنا بوجوب الاجتناب عن ثلاث من الإناءات السود بالخصوص فقد انحلّ العلم الإجماليّ ، سواء كان العلمان حادثين في آن واحد أو كان العلم الأوّل حادثاً قبل ذلك والعلم الثاني حادثاً بعد ذلك ، فإنّ حجّيّة العلم بوجوده لا بحدوثه قبل ذلك .
الثانية : أنّ مقتضى العلم الإجماليّ الأوّل الوسيع هو الاحتياط لو لم نظفر بمقدار المعلوم بالإجمال في الكتب الّتي بأيدينا ، لوجود العلم الإجماليّ وعدم الانحلال .
والجواب : هو الانحلال الإجماليّ ، كما لو علم بوجوب الاجتناب عن الإناءات الثلاثة من الإناءات السود ، فالإناء الأبيض مشكوك بدواً ، لعدم العلم بذلك .
الثالثة : أنّ مقتضى العلم الإجماليّ المحدود بما في الكتب : عدم لزوم الفحص بعد ذلك إذا ظفرنا بمقدار المعلوم بالإجمال فيها ، بل كان في بعض الكتب بمقدار المعلوم بالإجمال كما في خصوص الكتب الأربعة ؛ وهي غير قابلة للدفع بما في المقالات : بأنّ المقدار المعلوم كمّاً وإن كان بالأخرة معلوماً بحيث ينتهي الزائد نه إلى الشكّ البدويّ ولكن هذا المقدار إذا كان مردّداً بين محتملات متباينات يصير جميع الشكوك طرفاً للعلم ، والعلم الحادث بالمخصّص كالعلم الحاصل بعد العلم الإجماليّ غير قابل للانحلال ، فالاحتمال القائم في المورد الموجب لكونه من أوّل الأمر طرفاً للعلم منجّز للواقع ، فلا بدّ من العلم بالخروج عن دائرة العلم الإجماليّ بالفحص وعدم كونه في ما بأيدينا من الكتب ( 1 ) . انتهى ملخّصاً .
والظاهر أنّ مراده أنّ العلم الإجماليّ بوجود المخصّص في ما بأيدينا من الكتب أوجب التنجّز بالنسبة إلى جميع المحتملات ؛ وتنجّزُ جميع المخصّصات الّتي في الكتب والعلمُ الحادث بالمقدار المعلوم لا يوجب رفع التنجّز .
وفيه وجوه من الإيراد :
منها : أنّه لو سلّمنا ذلك فمقتضى ذلك هو الاحتياط حتّى بعد اليأس عن الظفر بالمخصّص ، لاحتمال المخصّص في الواقع ؛ إلّا أن يفرض أنّ دائرة العلم الإجماليّ من أوّل الأمر هو ما بأيدينا ، وليس ذلك ممّا بأيدينا ، بل هو أمر واقعيّ ، وهو أنّه لو علم بوجود مخصّصات في الواقع في الشريعة الإسلاميّة قبل الرجوع إلى الكتب وقبل العلم الإجماليّ بالوجود فيها فالعلم الإجماليّ الأوّل هو الوسيع وهو الّذي أوجب تنجّز المحتمل في الواقع ، ولعلّه معلوم لدى العقل من سيرة الشرائع السابقة ومقتضى القوانين العرفيّة وسيرة المسلمين قبل المراجعة إلى الكتب .
هامش
( 1 ) مقالات الأصول : ج 1 ص 456 .