ثمّ لا يخفى أنّه على فرض عدم جريان الاستصحاب المذكور في ما كان العدم متيقّن الصدق بعدم الموضوع للقضيّة الّتي لها أثر شرعيّ فلا ينبغي الإشكال في جريانه إذا كان الموضوع محرزاً وكان العدم بعدم أحد طرفي الإضافة ؛ ففي المثال لو كان الأثر مترتّباً على عدم انتساب قريش إلى المرأة الموجودة فلا إشكال في الجريان ، بأن يقال : إنّ قريشاً لم يكن منتسباً إلى تلك المرأة في حال عدمها ، وذلك باقٍ بعد وجودها ؛ وكذا لو لم يكن واجباً مثلًا إكرام علماء بلدة خاصّة قطعاً على المكلّف لعدم وجود العالم فيها فيمكن استصحابه بعد وجوده فيها أيضاً ، فإنّ الموضوع في القضيّة هو المكلّف ، وهو موجود وإن كان للقضيّة الواجدة للأثر بالنسبة إليه إضافة إلى غيره ، وهي مسبوقة بالعدم بعدم طرف الإضافة ، فتأمّل جدّاً .
الأمر الثامن :
قال قدس سره في الكفاية ما ملخّصه أنّه : لا يجوز التمسّك بالعامّ من غير جهة احتمال التخصيص ، فلا يجوز التمسّك بمثل عموم وجوب الوفاء بالنذر لإثبات صحّة الوضوء بالمائع المضاف ، وذلك لأنّه لا مجال لتوهّم الاستدلال بالعموم المتكفّل للحكم المتعلّق بالعناوين الثانويّة من غير جهة تخصيصها إذا اخذ في موضوعه أحد الأحكام المتعلّقة بالفعل بعنوانه الأوّليّ وأنّ ذلك ممّا لا يتوهّمه عاقل .
نعم ، لا بأس بالتمسّك بالعموم في ذلك بعد إحراز التمكّن في ما لم يؤخذ في موضوع العنوان الثانويّ حكم أصلًا ؛ فإذا شكّ في جواز شيء صحّ التمسّك بعموم الدليل المتكفّل للحكم الثانويّ في إثبات جوازه ، وإذا كان بين دليلي الحكم المتعلّق بالعنوان الثانويّ والمتعلّق بالعنوان تنافٍ وقع المزاحمة بين المقتضيين ويؤثّر الأقوى منهما لو كان في البين ، وإلّا يرجع إلى حكم آخر كالإباحة في ما إذا كان أحدهما مقتضياً للوجوب والآخر للحرمة مثلًا ( 1 ) . انتهى مع تلخيص وتحرير .
أقول أوّلًا : إنّه لو كان المقصود في المثال هو الحكم بما يقتضيه العنوان الثانويّ في مورد شمول العامّ الدالّ عليه فليس ذلك إلّا مركّباً من الأمرين المتقدّمين كليهما
هامش
( 1 ) كفاية الأصول : ص 262 و 263 .