شرح
الظاهر في أنّ المخصّص اللبّيّ المتّصل موجب لعدم انعقاد الظهور للعامّ .
وفيه : أنّ المتّصل المقرون بكون العامّ ظاهراً في بيان عدم كون العامّ معنوناً بعنوان المخصّص لا يضرّ بظهور العامّ في العموم ، ككون متعلّق الحكم واجداً للملاك مع معلوميّة أنّه لا يريد ما ليس فيه الملاك ؛ إلّا أن يقال : إنّ المقصود من المتّصل هو الّذي يصحّ أن يتّكل عليه المتكلّم في مقام الخروج عن العامّ وكان قرينةً على تفويض التشخيص إلى المكلّف ، وهو خلاف إطلاق كلامه .
وكيف كان ، فالمقصود أنّ المتّصل على قسمين : قسم كالمثال المتقدّم ، وقسم آخر يكون العامّ غير ظاهر في ذلك ، كما لو فرض أن يقطع بأنّ الرفع في حديثه مختصّ بصورة الامتنان فلا ينعقد الظهور في غيره ، والقسمان في غير ما كان المخصّص مبنيّاً على فعليّة حكم ، وما كان المخصَّص - بالفتح - هو الفعليّة ( كما في العجز التكوينيّ ) فإنّه لا فرق أيضاً فيه بين المتّصل والمنفصل ، ففيه إيرادان : أحدهما عدم التفصيل بين العامّ المبنيّ على الفحص وغيره . ثانيهما عدم التفصيل بين القسمين الأوّلين من المخصّص والقسم الثالث مع أنّ مقتضى ما تقدّم هو الفرق .
ومنها : حكمه في المنفصل اللبّيّ بالتمسّك بالعموم مطلقاً ( 1 ) ، فإنّ عدم الجواز في مثل الوصيّة لأرحامه من عوائد مال مستغلّ له ، والقطع بعدم إرادته المنحرف عن الحقّ قطعاً بعد العثور على حالات الموصي وكونه مواظباً للطاعات والعبادات منعزلًا عن صداقة الفاسقين والمنحرفين لعلّه واضح ، إذ من المقطوع أنّ ما ألقاه من عموم الوصيّة لم يكن مبنيّاً على الفحص عن انطباق المخصّص عليه ، إذ لم يكن قادراً على ذلك حتّى في مثل المثال الّذي في الكفاية ( 2 ) إن كان المولى بعيداً عن جيرانه بما يقرب مثلًا من ثلاثين ، فلا يمكن التمسّك بالعامّ بوجوب الإكرام وعدم عداوة الجيران .
ومنها : حكمه في المنفصل اللفظيّ بعدم جواز التمسّك مطلقاً مع أنّه لو كان العامّ ظاهراً في كونه مبنيّاً على الفحص عن المخصّص ( كما إذا ورد عامّ كان بعضه فاقداً للملاك لمكان التقيّة - مثلًا - وقال المولى : « كلّ ما كان فاقداً للملاك فلا تعملوا به » وإلقاء ذلك من باب احتمال لزوم الاتّباع مطلقاً وكان دليل التقيّة في بعضه واضحاً ) فالظاهر جواز التمسّك بالعامّ في ما بقي ، لأنّه مبنيّ على أنّه مطابق للملاك .
وأمّا الفرق بين المخصّص اللبّيّ واللفظيّ في المنفصل بصِرف إلقاء حجّة واحدة في الأوّل وإلقاء حجّتين في الثاني من دون أن يكون أساسه مبنيّاً على ما ذكره الوالد الأستاذ قدس سره في الدرر ( 3 ) فخالٍ عن الملاك ، فالعمدة كون العامّ مبنيّاً على الفحص عن المخصّص وعدمه ؛ فلو قطع بعدم كون مفاد العامّ ذلك كما في الوصيّة للأرحام والقطع بعدم إرادة الرحم المنحرف عن الحقّ فكيف يصحّ التمسّك في المشكوك ؟ ! فإنّه إن كان من باب عدم مانعيّة الانحراف فيقطع بعدم إرادة ذلك ، وإن كان من باب عدم تحقّق الانحراف فيقطع أيضاً بعدم ملاحظة ذلك ، كما لو علم بأنّه في مقام الفحص عن ذلك وأنّ العامّ مبنيّ على كون مفاده واجداً للملاك وليس عمومه من باب عدم مانعيّة الخلوّ عن الملاك فلا بدّ من التمسّك مطلقاً .
هامش
( 1 ) كفاية الأصول : ص 259 . ( 2 ) كفاية الأصول : ص 259 . ( 3 ) درر الفوائد : ص 217 و 218 .