والأولى : أن يقال في تقريب عدم جواز التمسّك : إنّ الظاهر من العامّ هو ثبوت الحكم لكلّ فرد ، من باب عدم دخالة الصفات الموجودة في الأفراد ، لقصر الحكم على غيرها ، كما أنّ الظاهر من المطلق أيضاً كذلك ، فالعامّ في المثال المعروف يشمل الزيد المشكوك كونه فاسقاً والمعلوم كونه عادلًا ، لكن مفاده أنّه يجب إكرامه من باب عدم دخالة عدم الفسق في الحكم لا أنّه يجب من باب عدم الفسق .
والسرّ في ذلك : أنّ عدم انطباق عنوان المخصّص على أفراد العامّ ليس ممّا يكون راجعاً إلى المولى ، بل لعلّ العبد أعرف بذلك من بعض الموالي العرفيّة ، ومرجع ذلك :
إلى قصور الظهور في العامّ للتكفّل لإثبات الحكم من ناحية الشبهة الموضوعيّة وأنّ الّذي يكون العامّ متكفّلًا له هو الشبهة الحكميّة لا غير .
وهو تقريب وجيه ربما يستفاد من بعض زبر السلف الصالح وإن كان تحريره وتحقيقه كان من بعض ما ألهمني اللَّه تعالى ، وله الشكر على ذلك ، وكان هذا في جوار البقعة المباركة العلويّة المرتضويّة ، سلام اللَّه وسلام ملائكته وأنبيائه ورسله على المرموس فيها ورحمة اللَّه وبركاته .
ويمكن تقريب الوجه المذكور بأنّ العامّ وإن كان ظاهراً في الحكم بما يقتضيه بالنسبة إلى المشتبه إلّا أنّ مقتضاه هو الحكم بما يقتضيه ، من باب عدم مانعيّة الوصف المحتمل وجوده في المشتبه المورد للتخصيص ، لا من باب عدم وجود الوصف على تقدير كونه مانعاً ؛ فما يكون العامّ ظاهراً فيه ثبت خلافه بواسطة المخصّص وما لم يثبت خلافه لا يكون العامّ ظاهراً فيه .
ويمكن أن يقال أيضاً : إنّ إلقاء الخاصّ أيضاً ظاهر عرفاً في إيكال تشخيص موضوعه إلى المكلّف ، فهو يقتضي التعنون في مقام الحجّيّة أيضاً . ألا ترى أنّه لو قال « أكرم العلماء » ولم يلق إلى المكلّف كلاماً آخر وشكّ في بعض الأفراد في وجود ملاك الحكم مع القطع بعدم وجوب الإكرام على فرض عدم الملاك عند العقل - كما هو واضح - إنّه يتمسّك بالعامّ لذلك بلا إشكال ؛ وأمّا لو ألقى إليه حجّةً أخرى وقال : « لا
مباني الأحكام في أصول شرائع الإسلام — صفحة 575
مساهمون: الشيخ مرتضى الحائري
ص٥٧٥