تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباني الأحكام في أصول شرائع الإسلام — صفحة 563

مساهمون:

ص٥٦٣
الحقيقة في التطبيق . وبعبارة أخرى : العلم الإجماليّ المتعلّق بورود الخلل إمّا بالاستعمال أو بالتطبيق أو بالحجّيّة منحلّ بالعلم بعدم جريان أصالة الحجّيّة بالنسبة إلى ما خرج من أفراد العامّ بالمخصّص المنفصل المعلوم بالفرض . وأمّا الجواب عن الإشكال الثاني فيتّضح بعونه تعالى وتوفيقه في طيّ أمور : منها : أنّ موضوع الحجّيّة وما هو الحجّة هو الظهور المنعقد لمجموع الكلام لا ما استعمل فيه اللفظ ، ولذا لا شبهة في أنّ ما هو الحجّة في الكناية هو المكنيّ عنه ، لا نفس اللفظ المستعمل في اللازم مثلًا ، ولا الظهور الحاصل لبعض الكلام مع قطع النظر عن البعض الآخر ، فالحجّة هي الظهور المنعقد لمجموع الكلام الواحد ؛ فالأصحّ أن يقال في مقام التعبير : « أصالة حجّيّة ظهور الكلام » لا « أصالة تطابق الاستعمال للجدّ » ، لأنّه لا حجّيّة للإرادة الاستعماليّة ما لم ينطبق عليها عنوان الظهور . ومنها : أنّه ليس المقصود من الإرادة الجدّيّة إرادة إتيان العمل الّتي هي الشوق المؤكّد ولا الأعمّ منها ومن الاعتقاد الجازم حتّى تشمل الإخباريّات ، إذ ليست الإرادة الجدّيّة منحصرة بالعمومات المشتملة على الأحكام البعثيّة والزجريّة ، فقوله تعالى :
« وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ » ( 1 )
أيضاً عامّ وله إرادة جدّيّة ، ومن يخبر عن عامّ مع عدم الاعتقاد الجازم أيضاً عامّ وله إرادة جدّيّة يطابقها الظهور تارةً ولا يطابقها أخرى ؛ فالإرادة الجدّيّة ليست إلّا تعلّق قصد التفهيم الأصليّ النهائيّ ، فالظهور حجّة على الجدّ ، أي إنّ الظهور حجّة على أنّ المتكلّم تعلّق غرضه النهائيّ بتفهيم ما يكون اللفظ ظاهراً فيه ، ولا ريب أنّ ما تعلّق الغرض بتفهيمه على النحو الأصليّ والنهائيّ ليس هو المفهوم الّذي هو العموم في ما نحن فيه ، بل ما تعلّق به الغرض في العامّ هو تفهيم حكم من الأحكام بالنسبة إلى كلّ فرد من أفراد العامّ ، فلا ريب أنّ ما عليه الحجّة متعدّد منحلّ إلى أفراد عديدة بعدد أفراد العامّ ، لأنّه ليس إلّا إرادة تفهيم حكم تعلّق بها بحسب الغرض الأصليّ والنهائيّ .
هامش
( 1 ) سورة الأعراف : 172 .
مباني الأحكام في أصول شرائع الإسلام — صفحة 563 | الشيخ مرتضى الحائري