وقد يستدلّ على ذلك بأنّه لو لم تكن الجملة الاستثنائيّة دالّة على الانتفاء بالنسبة إلى المستثنى لما كان يقبل إسلام من قال : « أشهد أن لا إله إلّا اللَّه » وهو واضح أيضاً .
لكن قد يشكل في دلالتها على التوحيد بأنّه إن كان الخبر المقدّر فيها « موجود » فلا يدلّ على أنّه تعالى واجب الوجود ولا على أنّ شريكه تعالى ممتنع
شرح
الأوّل في الاستدلال بها :
فإن كان الاستدلال بها لدلالتها على التوحيد على مفهوم الاستثناء في الجملة فهو صحيح ، إذ لو لم يدلّ على وجود اللَّه العظيم الكريم وكان مفاده مثلًا نفي الآلهة مع السكوت عن وجوده تعالى لا يدلّ على التوحيد المتضمّن للنفي والإثبات . وضمّ دلالة الحال أو المقال لا يناسب جعل ذلك حكماً كلّيّاً في العصور والدهور والحكم بإسلام من قال ذلك بضمّ الشهادة على الرسالة من دون الإشارة إلى ضمّ حال أو مقال بذلك .
وأمّا الاستدلال بدلالتها على التوحيد على العموم فغير صحيح ، إذ هي ظاهرة في نفي الآلهة فعلًا ووجوده تعالى في الجملة ، والقدر المتيقّن من الإجمال هو الوجود الفعليّ حال الشهادة ، فهي كافية من حيث التوحيد . وأمّا سائر صفاته من كونه قديماً وأبديّاً وأنّه الأوّل والآخر والظاهر والباطن والقادر والمريد والعادل والمحيط والعالم الّذي لا يعزب عن علمه شيء في الأرض ولا في السماء فهو داخل في الشهادة على الرسالة ، فإنّ ذلك لازم الاعتراف بصدقه تعالى .
الثاني : أنّه قد تقدّم أنّ الجواب عنه بدلالتها على التوحيد بحال أو مقال غير صحيح .
الثالث : أنّه إن كان اللزوم البيّن كافياً في الظهور فلا ريب أنّ الاستدلال غير صحيح أصلًا ، فإنّه يمكن أن لا يدلّ على الوجود ؛ وأمّا عدم كونه مورداً للنفي فظاهر أو صريح في الاعتراف بالإمكان ، وإمكان واجب الوجود مساوق لوجوده . وكذا يمكن أن لا يدلّ على الوجود المطلق بل الوجود الفعليّ ، والوجود الفعليّ لواجب الوجود مستلزم لأبديّته وأزليّته .
الرابع : ما قاله من الترديد في خبر « لا » بين كونه « موجود » أو « ممكن » منظور فيه ، من أجل ظهور النفي في النفي التامّ ، فإنّ الكون كما يمكن انقسامه إلى التامّ والناقص كذلك أيضاً « ليس » ، فلا فرق يعقل بينهما ، وقد بيّنّاه في المتن .
الخامس : على فرض احتياجه إلى الخبر فمن المعلوم أنّ الخبر لا يكون إلّا ما يناسب النفي ، لا كلّ شيء قابل لأن يتعلّق به النفي ، وإلّا فلا فرق بين الإمكان والعلم والامتناع كما هو واضح ، فلا معنى للترديد .
السادس : مع فرض كون الخبر « موجود » لا يرد إشكال أصلًا حتّى يحتاج إلى الجواب ، لأنّ الاعتراف بالوجود خصوصاً على وجه الإطلاق ونفي الغير يكفي في التوحيد ؛ وأمّا استحالة الشريك وعدم إمكانه فهو أمر آخر خارج عن حيثيّة التوحيد كالعلم والأبديّة والأزليّة وغير ذلك ممّا تقدّم .
السابع : على فرض الإشكال فلا ينحلّ بذلك ، للقطع بعدم توجّه العلماء حين التكلّم بتلك الكلمة إلى تلك الملازمة ؛ والشهادة بالامتناع من باب أنّه لو كان شيئا على تقدير وجوده من أفراد واجب الوجود وكان غير موجود فهو ممتنع الوجود .