تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباني الأحكام في أصول شرائع الإسلام — صفحة 510

مساهمون:

ص٥١٠
إنّ الغاية إن كانت غايةً للموضوع أو المحمول فهي بمنزلة الموضوع المتّصف
شرح
أقول معترفاً بحقوقه الّتي يصعب أداؤها : أوّلًا : إنّ عدم التنافي إنّما هو لوجود الجمع العرفيّ وحملِ الحكم المغيّى على ما كان ثابتاً لنفس الجلوس . والدليل على ذلك أنّه لا فرق بين ذلك وبين إيراد التخصيص على المنطوق ، كأن يقال : « اجلس من الصبح إلى الزوال ، وإن جاءك زيد قبل الزوال فطلب منك القيام فقم معه واقض حوائجه » ، ولا فرق في نظر العرف بين المثالين ، فعدم التنافي لعدم انعقاد الظهور من أوّل الأمر إذا كان ما يدلّ على الخلاف أقوى دلالة . وثانياً : إنّ عدم المفهوم في خصوص طروّ وصف أو شرط لا يقتضي الحكم بعدم المفهوم رأساً حتّى يحتمل أن يكون الحكم في الواقع هو وجوب الجلوس مطلقاً جاء زيدٌ أو لم يجئ ء . فالمفهوم بنحو القضيّة المهملة بحيث ينافي في المثال أن يحكم عليه بعد الزوال بوجوب الجلوس مطلقاً مسلّم لا ريب فيه عرفاً وبرهاناً ، فلا بدّ من حمل ما يدلّ على الأمر بالجلوس بعد الزوال إلى الليل على الاستحباب ، بل لو كان بعنوان الوجوب يحكم على التأكّد من دون شبهة وريب . وأمّا المفهوم بنحو القضيّة المطلقة - بمعنى دلالتها على انتفاء وجوب الجلوس في المثال مطلقا أي الحكم الثابت له من حيث الذات أو الثابت له مع فرض وصف أو شرط - فهي أيضاً ظاهرة في ذلك ، وذلك لإطلاق جعل الغاية ، فإنّها جعلت غاية لمطلق نسبة الوجوب إلى الجلوس ، سواء كانت النسبة على وجه الإطلاق أو كانت على وجه التقييد . إن قلت : النسبة المنشأة في القضيّة هي نسبة وجوب الإكرام إلى الجلوس المطلق غير المقيّد بشرط مجيء زيد ، وهي الّتي جعلت لها الغاية ، فمقتضى ذلك أن تكون الغاية غاية لذاك الحكم المجعول على وجه الإطلاق . قلت : الملحوظ في مقام الاستعمال هو نسبة الوجوب إلى الجلوس ، وليس الإطلاق دخيلًا في المستعمل فيه ، وإنّما هو من جهة عدم ذكر القيد ، والمغيّا هو نفس النسبة من دون قيد الإطلاق ، لكن مقتضى إطلاق جعل الغاية للنسبة أنّ النسبة لها غاية بنحو الإطلاق ، من غير فرق بين النسبة الثابتة للذات على نحو الإطلاق أو الثابتة لها على نحو التقييد . والّذي يوضح المقصود أنّه لو كان في البين حجج ثلاثة من « اجلس من الصبح في المسجد » و « اجلس من الصبح فيه إن جاءك زيد » و « وجوب الجلوس من الصبح في المسجد ينتهي إلى الزوال » فلا شبهة في أنّ مفاد القضيّة الثالثة هو الإطلاق . والسرّ في ذلك ورود الغاية والإطلاق على نفس الحكم المغيّى في لحاظ واحد ، فالغاية ليست غايةً للحكم بوصف الإطلاق ، بل هي غاية لمطلق الحكم الشامل للمطلق والمقيّد . ثانيهما : أنّه بالنسبة إلى « أكرم العلماء إلى الليل » من دون أن يكون في البين دليل آخر يدلّ على وجوب إكرام العلماء العدول فهل مقتضاه أنّه في الليل ينتهي وجوب إكرام جميع العلماء ، فلا ينافي وجوب إكرام بعض العلماء ، أو مقتضاه انتفاء الكلّ ؟ الظاهر هو الثاني ، لأنّ المتبادر من الغاية هو انتهاء الحكم ، وبقاء البعض ينافي الانتهاء ، وليس مفاده انتفاء المجموع حتّى لا ينافي بقاء البعض .