تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباني الأحكام في أصول شرائع الإسلام — صفحة 509

مساهمون:

ص٥٠٩
أقول : قد ظهر ممّا ذكرناه في مفهوم الوصف ملاك ثبوت المفهوم في بحث القضيّة المغيّاة . وتوضيح ذلك أن يقال ( 1 ) :
شرح
( 1 ) التفصيل . وحينئذٍ إن كانت القضيّة « يجب عليك السير من البصرة إلى الكوفة » يحتمل أن تكون راجعة إلى الموضوع ، وأمّا إن كانت القضيّة « يجب عليك السير الّذي هو من البصرة إلى الكوفة » فالغاية غاية للموضوع قطعاً . وبتقريب آخر : إنّ وجه عدم ثبوت المفهوم بنحو القرينة العامّة للموضوع المتّصف أو المغيّى أو المحمول كذلك هو الإهمال في الطرفين ، فمعنى ومفاد « إنّ السير من البصرة إلى الكوفة واجب » ليس أنّه فرد من أفراد الواجب ، كما أنّه لو قلنا : « إنّ الوجوب إلى الشيخوخة متعلّق بالصوم » ليس مفاده من حيث نفس القضيّة إلّا أنّ الوجوب الخاصّ فرد ممّا يحمل على الصوم ؛ فمعنى « زيد قائم » أنّ زيداً فرد من أفراد القائم وأنّ القائم فرد من أفراد ما يحمل على زيد ، فالإهمال ثابت من الطرفين إلّا أنّ ثبوت المحمول بنحو الإهمال لزيد بحسب الظاهر دائميّ ، فالإطلاق موجود له من تلك الجهة . فثبوت الحلّيّة للشيء بمعنى أنّه فرد من أفراد الحلال دائميّ لا إهمال فيه ؛ وهذا إذا جعل له الانتهاء فعدم ذاك الحكم مقتضى الانتهاء والغاية ، وليس معنى إهماله مع قطع النظر عن الدوام عدم شموله للاعتبارين الموجودين في فرد واحد ، فإذا كان زيد عالماً بملاك العلم بالفقه وعالماً أيضاً بملاك العلم بالأصول فليس معنى الإهمال قصد خصوص أحدهما بلا تعيين ، بل المقصود هو الجنس الظاهر في حصوله بكلّ منهما ، كما أنّه لو قيل : « في الدار رجل » هو كذلك أيضاً ، فإذا قيّد الموضوع الّذي يكون مصداقاً لجنس الحكم الصادق على الحكم والحكمين بغاية خاصّة فمقتضى ذلك عدم الجنس بعد ذلك كما لا يخفى . ثمّ إنّه بعد ذلك يقع الإشكال في موضعين : أحدهما : أنّ مفهوم مثل « أكرم العلماء يوم الجمعة إلى الليل » هل هو انتفاء الحكم بعد حصول الغاية بالنسبة إلى نفس العنوان بحيث ينافي أن يكون الحكم « أكرم العلماء حتّى بعد دخول الليل مطلقاً » ولا ينافي أن يكون حكم آخر متعلّقاً بعنوان « العلماء العدول » مستمرّاً إلى ما بعد حصول الغاية ، أم يكون منافياً له أيضاً ، للظاهر ؛ إذ ظاهره أنّ كلّ حكم تعلّق بالموضوع بذاته أو به مع اتّصافه بوصف أو بشرط ينتهي إلى حصول الغاية ؛ والإهمال من حيث المحمول لا ينافي الإطلاق من حيث التقييد بالغاية ، كأن يقال « في الدار رجل إلى الليل » ؟ . ولكن لا ريب في صراحته أو أظهريّته في الأوّل [ وهوانتفاء الحكم بعد حصول الغاية بالنسبة إلى نفس العنوان ] ، لكن ظهوره في الثاني قابل لرفع اليد عنه بمعارض أقوى ، كما في المثال الّذي ذكره الوالد الأستاذ قدس سره في تعليق الدرر ، فقال : يمكن أن يمنع المفهوم حتّى في ما اخذ فيه الغاية قيداً للحكم ، لمساعدة الوجدان على أنّا لو قلنا : « اجلس من الصبح إلى الزوال » لا ينافي أن يقول : « وإن جاء زيد فاجلس من الزوال إلى الغروب » ، فهذا يكشف عن عدم كون المغيّى سنخ الحكم ، بل المغيّى هو السنخ المعلول لعلّة خاصّة وإن لم يذكره في القضيّة ( 1 ) . انتهى ملخّصاً .
هامش
( 1 ) درر الفوائد : ص 204 و 205 .