الشرطين ومع ذلك موجب لرفع اليد عن إطلاق العلّيّة بلا وجه . وأمّا كون الشرط هو الجامع فهو خلاف ظهور دخالة الشرط بنفسه ، فلا محيص إلّا عن الأخذ بالمنطوقين والمفهومين إلّا في مورد تعارض كلّ من المفهومين لمنطوق الآخر ، وهو الوجه الرابع ؛ وعلى فرض كون الشرط هو الجامع فلا وجه أيضاً لرفع اليد عن إطلاق المنطوقين - فيكون الشرط هو الجامع المنطبق على كلّ واحد من الشرطين لا على المجموع - ولا لدلالة أداة الشرط على العلّيّة المنحصرة بالنسبة إلى الجامع ، فتصير النتيجة هي الأخذ بالمنطوقين والأخذ بالمفهومين إلّا في مورد وجود أحد الشرطين الكاشف عن وجود الجامع وعدم الشرط الآخر ، فهو كالرابع من تلك الجهة .
الثالث : إذا اتّحد الشرط والجزاء بحسب الحقيقة كما في « إذا بلت فتوضّأ » و « إن جاءك زيد فأكرمه » فلا ريب ( 1 ) في ظهور القضيّة في التكرار وأنّه يجب الوضوء عقيب كلّ بول واقع بعد الوضوء ويجب إكرام زيد إن جاء ثانياً بعد الإكرام ، وكذا إذا قال : « إذا كان يوم الجمعة فصلّ صلاة الجمعة » .
إنّما الإشكال في بيان سرّ ذلك وأنّه ما الفرق بين « أكرم زيداً » و « إن جاءك زيد فأكرمه » حيث إنّه يكفي في الأوّل امتثال الحكم مرّة واحدة بخلاف الثاني .
شرح
إذا وجد ظهور الدليل في أنّه بصدد المفهوم والتحديد ، نحو « في الغنم السائمة زكاة » أو « في كلّ أربعين شاةً شاة » ففيه يتمشّى البحث عن لزوم اجتماع الوصفين أو كفاية أحدهما ، وكذا إذا كان أحد الدليلين بنحو القضيّة الشرطيّة والآخر بنحو القضيّة الوصفيّة ، كأن يكون مفاد الدليل « إذا كان الغنم سائمةً ففيه زكاة » ، وكذا في مفهوم الغاية ، كأن يقال : « عليك بإتمام الصلاة إلى أن تصل إلى حدٍّ يخفى عليك الأذان » ، وكذا في ما إذا كان الدليل في بيان ذكر ماهيّة عنوان ذي حكم كعنوان الغيبة المحرّمة ، فإنّه لو كان في الدليل هي « ذكرك أخاك بما يكرهه » وكان مقتضى دليل آخر أنّها « كشف العيب المستور » فهل يمكن أن يقال : إنّ الغيبة مجمع الأمرين أو يكفي أحدهما ؟ وكذا في مفهوم التعليل ، كأن يقال : « المكاري يجب عليه التمام ، لأنّ السفر عمله » وكان مقتضى دليل آخر التعليل بالاختلاف وعدم المقام لهم .
ومن ذلك يظهر أنّ بعض القضايا أولى بالمفهوم عن مثل الوصف واللقب وأمثالهما ، كمفهوم التعليل ومفهوم الماهيّة ، ولم أر ذكرهما في الكتب الاصوليّة للأصحاب وإن ذكر الأوّل في غير باب المفاهيم ؛ وأمّا مفهوم الماهيّة فهو غير مأنوس ، ولعلّ اللَّه تعالى يوفّقنا لذكرهما بعد ذكر جميع المفاهيم المذكورة في باب المفاهيم .
هامش
( 1 ) أي بعد سقوط المقتضي بالإتيان بمقتضى الجزاء كما لا يخفى .