طرح الدليل بدون المعارض ، فإنّ المنطوق يدلّ على العلّة المنحصرة وعدم علّة أخرى غير المذكورة في القضيّة الشرطيّة ، وبعد العثور على علّة أخرى يحكم أيضاً بالانحصار إلّا من ناحية العلّة الّتي دلّت عليه الحجّة ؛ والقول بتقيّد المنطوقين أيضاً تصرّف في ظهورين ، إذ هو موجب لرفع اليد عن الانحصار ( 1 ) مطلقاً بالنسبة إلى
شرح
خفاء الأذان والجدران ، والجامع فيه ما في المتن ، فيدور الأمر بين الجمع بنحو الجمع بين الشرطين بتقييد المنطوقين أو بنحو الجمع بالترديد بأن يكون الشرط أحد الأمرين .
( 1 ) إن قلت : إذا دلّ الدليل على عدم المقيّد فدلالة الدليل الدالّ على المقيّد على ذات المقيّد غير واضح ، فإذا دلّ الدليل على وجوب عتق الرقبة المؤمنة ودلّ دليل آخر على عدم وجوب عتق الرقبة المؤمنة في مورد مثلًا أو مطلقاً فلا وجه للأخذ بدلالة الدليل الأوّل على وجوب أصل عتق الرقبة ؛ وفي المقام إذا فرض دلالة الجملة الشرطيّة على كون خفاء الأذان علّة منحصرة ودلّ الدليل الآخر على عدم الانحصار فلا وجه للدلالة على كفايته في العلّيّة ، فهو كمثال وجوب عتق الرقبة المؤمنة .
قلت : فرقٌ بين الموردين من وجهين :
أحدهما : انتزاع الانحصار من عدم علّة أخرى دخيلة في الجزاء ، بخلاف الإيمان فإنّه متّحد الوجود للرقبة .
ثانيهما : أنّ المقصود بذلك ليس اتّصاف العلّة بالانحصار ، إذ لا دخالة لذلك في ما هو المقصود من بيان الانحصار ، فهو كأن يقال : إنّ خفاء الأذان علّة وهي منحصرة بنحو تعدّد الدالّ والمدلول أو بنحو التركّب - فتأمّل - ، ولذا لو أخبر مخبر بمجيء زيد مقروناً برفيقه ثمّ دلّ دليل آخر على عدم مجيء رفيق زيد فالدليل الأوّل باقٍ بحاله ، بخلاف ما لو قال : « جاء الإنسان الأبيض » ثمّ قال : « ما جاء الإنسان الأبيض » فلا يكون الدليل الأوّل حجّة عند العرف على مجيء أصل الإنسان ، ولا فرق بين كون أداة الشرط موضوعة للعلّيّة المنحصرة أو تستفاد من الانصراف .
خلافاً لما في تقرير بعض علماء العصر - كان اللَّه لهم - فقال بالفرق بين استفادة الانحصار من نفس اللفظ من جهة أصالة الحقيقة فيتعارض الدليلان في ذلك ، ولا دليل على أصل العلّيّة التامّة ، وأمّا إذا كانت الأداة موضوعة لأصل العلّيّة التامّة وكان الحصر مستفاداً من انصراف الدليلين فبعد تعارض الانصرافين يرجع إلى أصالة الحقيقة ( 1 ) . انتهى ملخّصاً .
وفيه أوّلًا : ما عرفت من أنّه على الفرضين يكون المستعمل فيه وضعاً أو انصرافاً هو العلّة المنحصرة ، وإنّما التصرّف في مقام الجدّ ، فالظهور باقٍ فيتمسّك به لأصل العلّيّة .
وثانياً : على فرض التصرّف في الظهور فليس تصرّفاً في مفهوم الانحصار ، بل في متعلّق الحصر وإضافة الحصر إلى المتعلّق ، ولا فرق بين إضافة المعنى الحقيقيّ أو المنصرف إليه .
وثالثاً : ليست أصالة الحقيقة أصلًا في قبال أصالة الظهور ، بل ليس في المقام إلّا أصل واحد - وهو أصالة الظهور - ومفروضها التعارض ، فتأمّل .
هامش
( 1 ) تهذيب الأصول ( تقريراً لبحث الإمام الخمينيّ قدس سره ) : ج 1 ص 346 .