قصد القربة والآخر كون العمل صالحاً للتقرّب ، بل الشرط الوحيد فيها هو قصد التقرّب مضافاً إلى إتيان ذات العمل ، وهو ممكن في المقام قطعاً ، إذ المفروض أنّ المكلّف لا يقدر على ترك الحرام ، وحينئذٍ يقصد بإتيان بعض أفراد الطبيعة المضطرّ إليها إطاعة أمر المولى وحصول غرضه ؛ والوجه في التمكّن من قصد القربة بما هو من أفراد المبغوض كون حصول المبغوض مفروض التحقّق على كلّ حال ، أي سواء أتى المكلّف بالواجب التعبّديّ أو لم يأت به ؛ ولذلك حكمنا بصحّة الصلاة في الدار المغصوبة بمقتضى القاعدة حتّى في صورة العلم لمن كان عازماً على الغصب على كلّ حال ، سواء كان آتياً بالمأمور به أو لا .
وثانياً : لو فرضنا عدم صحّة ذلك المبنى وأنّه مع فرض القدرة على ترك المعصية لا يمكن الإتيان بالصلاة المتّحدة للمعصية بقصد التقرّب فلا إشكال في أنّه ليس المقام كذلك ، لأنّ المفروض عدم القدرة على ترك المعصية ، فالمعصية مفروض التحقّق لا من جهة اختيار المكلّف العصيان فعلًا ، بل من جهة عدم قدرة المكلّف على تركها ولو بسوء الاختيار ، خصوصاً مع استلزام ذلك لسقوط النهي عن الفعليّة .
والحاصل : أنّه لو منع من التمكّن عن قصد القربة في مورد القدرة على ترك المعصية بتّاً ووجود النهي الفعليّ عن المعصية فلا وجه للمنع عنه في المورد المفروض عدم القدرة على تركها المستلزم لعدم النهي الفعليّ .
وثالثاً : لو فرض كون الواجب على المكلّف حصول التقرّب لا صِرف قصد القربة فلا ريب أنّ التقرّب حاصل بذلك ، فإنّ إتيان العمل له تعالى مع كون العمل وافياً بغرضه ومتعلّقاً لأمره مقرّب له تعالى ، لشهادة الوجدان القطعيّ على كونه أقرب إليه تعالى ممّن اضطرّ إلى الغصب ولم يصلّ في الحال المذكور ، والقرب الحاصل للعباد نسبيّ إلّا من تكون عبادته في أعلى درجة الكمال من الأنبياء وخلفائهم عليهم السلام .
ورابعاً : على فرض اشتراط العبادة بعدم اتّحادها للمبغوض فالقدر المسلّم منه عدم اتّحادها لمتعلّق النهي الفعليّ ، لا لمتعلّق النهي السابق الساقط ؛ فالمسألة بحمد اللَّه
مباني الأحكام في أصول شرائع الإسلام — صفحة 439
مساهمون: الشيخ مرتضى الحائري
ص٤٣٩