لكن قد تقدّم في مبحث الضدّ ( 1 ) أنّ عدم مقدّميّة عدم الضدّ لوجود الضدّ الآخر أو بالعكس مطلقا ممنوع ، بل قد يحتاج وجود الضدّ إلى عدم الضدّ الآخر وقد يحتاج عدم الضدّ إلى وجود الضدّ الآخر ، وهذا هو معنى التوقّف ؛ ونقول هنا : إنّ الخروج كما يكون مقدّمة للكون خارج الدار كذلك مقدّمة أيضاً لعدم الكون في الدار ، فإنّ حركة جسم من محلّ إلى محلّ آخر ممّا به يتحقّق العدم في المكان الأوّل والوجود في المكان الثاني ، فالظاهر كون الخروج مقدّمة .
وهذا إيراد سادس على صاحب الكفاية حيث أنكر المقدّميّة في التعليق على الكفاية .
فتحصّل من جميع ما ذكرناه أنّه لا مانع من الإيجاب حتّى الموسّع غير الأهمّ منه في مورد الاضطرار فكيف بالأهمّ المضيّق الّذي لا يكون ما هو الواجب بالأصالة متّحداً للمبغوض أصلًا ، كما في الخروج من الأرض المغصوبة للتخلّص عن الغصب الزائد .
إن قلت : ما ذكرته صحيح في مثل الخروج الّذي هو من التوصّليّات ؛ وأمّا تعلّق الإيجاب التعبّديّ ببعض أفراد الطبيعة المضطرّ إليها فهو غير صحيح ، لعدم قدرة العبد على الإتيان به بوصف كونها عبادة ، لأنّه يشترط في العبادة أن يكون العمل مقرّباً منه تعالى ، والمبغوض الّذي يستحقّ عليه العقاب لا يصلح للتقرّب به إليه تعالى .
قلت أوّلًا : إنّه لا يشترط في العبادة شيء وراء أصل الإتيان بذات العمل إلّا إتيانه بداعي حصول غرض المولى أو بداعي إطاعته ، فلا يشترط فيها أمران : أحدهما
شرح
( 1 ) هذا إشكال على الكبرى المشهورة بين المتأخّرين من استحالة التوقّف رأساً ؛ لكن في المقام يستحيل التوقّف ، لأنّه لو كان عدم الكون في الدار متوقّفاً على الكون خارج الدار من باب توقّف عدم الضدّ على وجود ضدّه كان الكون خارج الدار متوقّفاً على عدم الكون في الدار توقّف وجود الضدّ على عدم ضدّه ، فيستحيل ذلك ؛ لكن نقول - كما في المتن - : إنّ الخروج مقدّمة للكون خارج الدار ولعدم الكون في الدار ، فهو مقدّمة لأحد الضدّين ولعدم الآخر في عرض واحد ، فهو مركّب من وجود قدم وعدم قدم ، فبالإيجادات المتتالية يتحقّق الكون خارج الدار ، فلو أوجد الأكوان من دون الأعدام - كما في الحيّة - يتحقّق الكون خارج الدار أيضاً ، كما أنّه لو حصل الأعدام المتتالية يحصل عدم الكون في الدار ، فالخروج من حيث اشتماله على الأعدام مقدّمة لعدم الكون في الدار .