تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباني الأحكام في أصول شرائع الإسلام — صفحة 418

مساهمون:

ص٤١٨
وصلاحيّة الانبعاث ، وقد عرفت أنّ مقتضى إطلاق الأمر بالطبيعة ( 1 ) ليس هو البعث بداعي الانبعاث في جميع الموارد بل هو البعث بداعي الانبعاث في الموارد الصالحة ( 2 ) ،
شرح
قلت : إذا لم يكن البعث مقروناً بداعي الانبعاث لا يترتّب عليه آثار الفعليّة : من العقوبة على الترك ومن تنجّز العلم الإجماليّ الّذي أحد أطرافه المضطرّ إليه أو الخارج عن محلّ الابتلاء ، فلا وجه لتسمية ذلك الحكم فعليّاً ، إذ ليس الكلام في التسمية بل الكلام في ترتيب آثار الفعليّة . ( 1 ) مقتضى ذلك هو جواز الاجتماع بالنسبة إلى ما هو ظاهر الأدلّة . لكن قد يشكل ذلك أنّه إذا لم يكن البعث في مورد الاجتماع مع النهي بداعي الانبعاث فلا بعث أيضاً ، فلا حكم في مورد الاجتماع ، وهذا حقيقة الامتناع . والوجه في ذلك أمران : أحدهما : أنّه إذا لم يكن داعي الانبعاث فيكون البعث من دون الداعي ، وهو محال ، فليس بعثٌ . ثانيهما : أنّه لو صحّ البعث إلى الطبيعة بداعي الانبعاث عنه في الموارد الصالحة بنحو الإجمال يصحّ ذلك أيضاً بنحو التفصيل ، بأن يصرّح بالبعث في مورد الاجتماع . ومن هنا يظهر أنّ كشف الملاك من جهة الإطلاق الّذي تقدّم بيانه خالٍ عن الإشكال . لكن يمكن دفع الإشكال أوّلًا بأنّه يكفي لذلك أن يكون البعث بالطبيعة المطلقة حتّى في المورد المجامع للنهي ، من باب الانبعاث عن الأمر بأصل الطبيعة وأنّ الإتيان بها في الموارد الأخر من باب كون المراد هو أصل الطبيعة لا غير . وثانياً : أنّ بيان الملاك من شأن الشارع ، لما فيه من الآثار الواضحة ، فالبعث ظاهر في أنّه بداعي الانبعاث عنه في الموارد الصالحة وبداعي بيان الملاك في الكلّ لئلّا يوقع المكلّف نفسه عمداً في موقف لا يقدر على الإتيان بغرض المولى . وثالثاً : أنّه لا مانع من داعي الانبعاث حتّى في المورد ، ومع ذلك لا يكون فعليّاً عرضيّاً ، بأن يكون المقصود من الأمر بالطبيعة هو الانبعاث عنه في هذا المورد ولو بنحو الترتّب على عصيان النهي ؛ وأمّا القياس بصورة التفصيل فمع الفارق ، فإنّ البعث بكلّ فرد بالخصوص لا يمكن أن يكون بداعي الانبعاث عنه بالنسبة إلى أفراد اخر كما لا يخفى ، ولا يكون بياناً لوجود الملاك في الطبيعة المطلقة ، فتأمّل . فمقتضى الظاهر هو الجواز لكن على فرض الفعليّة ، فالامتناع بنحو العرضيّة والجواز بنحو الترتّب كما في المتن ، وهو العالم . ( 2 ) إن قيل : إذا كان الداعي على البعث هو الانبعاث فاللازم عدم البعث في غير الموارد الصالحة ، لعدم الداعي ، وإلّا لزم وجود المعلول من دون علّة تقتضي وجوده ، وهو محال . وإن قيل بأنّ مقتضى إطلاق البعث وجود داع آخر غير داعي الانبعاث ، واحتمالَ ذلك كافٍ في الأخذ بإطلاق البعث خصوصاً مع كون بيان وجود الملاك موكولًا إلى الحاكم ، فيمكن أن يكون في البين داعيان : أحدهما داعي الانبعاث والآخر داعي بيان الملاك ، ومقتضى الإطلاق وجود البعث في غير الموارد الصالحة بداعي بيان الملاك . قلنا بأنّه حيث كان الظاهر من البعث أن يكون بداعي الانبعاث من دون الشبهة فالكلام مكتنف بداعي الانبعاث ، وهو كافٍ في صحّة الخطاب ، ومعه لا يمكن التمسّك بإطلاق البعث حتّى يقال : يكشف ذلك عن وجود داعٍ آخر في البين .
مباني الأحكام في أصول شرائع الإسلام — صفحة 418 | الشيخ مرتضى الحائري