شرح
اجتماع الضدّين ، فالتكليف بنفسه محال ولا يكون من قبيل التكليف بالمحال .
وفيه أوّلًا : أنّه لا تضادّ بين الحرمة والوجوب مع الإباحة اللااقتضائيّة ، بل اقتضاء عنوان للحكم مناقض لعدم الاقتضاء ، ولا مانع أصلًا بين اقتضاء شيء واحد بعنوان للحكم وعدم اقتضائه بعنوان آخر للحكم ، ففيهما تناقض إذا كان متعلّق الحكمين عنواناً واحداً ، ولا تنافي أصلًا إذا لم يكن متعلّقهما عنواناً واحداً .
وثانياً : أنّه لا تنافي بين الاستحباب والوجوب ، لأنّ كليهما بعث بداعي الانبعاث ؛ وعدمُ اقتضاء أحد العنوانين اللزومَ وعدمَ جواز الترك لا ينافي اقتضاءَ عنوان آخر منطبق عليه لذلك ، كما في نذر صوم يوم الغدير ، فإنّ اقتضاء كونه منذوراً لعدم جواز الترك لا ينافي جواز الترك من حيث عنوان كونه صوم يوم الغدير . نعم ، لا يمكن أن يكون شيء واحد بعنوان واحد واجباً ومستحبّاً .
وثالثاً : لا يكون اجتماع في الذهن ، لتعدّد العنوان الّذي هو الوجود الذهنيّ ، وأمّا بالنسبة إلى الخارج فلم يوجد المتعلّق بعد حتّى يكون من قبيل اجتماع أمرين وجوديّين في معروض واحد .
ورابعاً : أنّ وجه التنافي هو عدم قدرة المكلّف على الانبعاث عن البعث والانزجار عن الزجر ، فهو من باب التكليف بالمحال ، فالاستحالة جائية من قبل الامتثال ، فلو فرض القدرة مع الانبعاث والانزجار فلا مانع من ذلك ، لوجود الملاك المقتضي للإرادة والكراهة .
وقد قال قدس سره في الثانية : ما ملخّصه أنّه لا شبهة في أنّ متعلّق الأحكام هو ما في الخارج يصدر عن المكلّف ، لا اسمه وعنوانه الاعتباريّ كالملكيّة والزوجيّة والرقّيّة ، وإنّما تؤخذ تلك العناوين للإشارة إلى متعلّقاتها بمقدار الغرض منها لا بنحو الاستقلال ( 1 ) . انتهى .
أقول : فيه جهات من الكلام توضيحاً أو إيراداً :
1 - أنّ المقصود بالأحكام هو الأحكام التكليفيّة ، وأمّا الأحكام الوضعيّة - كالملكيّة والحرّيّة والرقّيّة - فلا ملزم لتعلّقها بفعل المكلّف ، بل تتعلّق بالموضوعات الخارجيّة والأشخاص ، ومن حيث السبب لا ينحصر سببها بفعل المكلّف ، كالإرث الّذي سببه موت المورّث .
2 - مسألة تعلّق الأحكام من المعضلات عند الأعلام :
فقد يقال بمقالة صاحب الكفاية من التعلّق بالخارج .
وفيه أوّلًا : أنّ متعلّق البعث هو متعلّق الإرادة ، والإرادة الّتي هي من الصفات النفسانيّة لا يمكن تعلّقها بالخارج .
وثانياً : أنّ الخارج ظرف حصول المتعلّق ، وبعد الحصول لا يمكن تعلّق الحكم به .
وثالثاً : أنّ الضرورة قائمة على وجود الحكم قبل الإتيان بالمتعلّق ، ولذا تجب مقدّماته ولا بدّ أن يكون العبد متحرّكاً بتحريكه في العبادات ، وإلّا لزم توقّف الشيء على نفسه .
هامش
( 1 ) كفاية الأصول : ص 193 .