شرح
ورفعُ الإشكال إمّا بأن يقال : إنّ رأي المجتهد السابق حجّة فعلًا بالنسبة إلى الأعمال السابقة ولا يكون رأي المجتهد الفعليّ حجّة بالنسبة إليها :
أمّا الأوّل فلإطلاق دليل الحجّيّة ولو على فرض كون الموضوع للحجّيّة هو الأحياء ، لأنّ المدار حين حدوث الحجّيّة ، أو للاستصحاب .
وأمّا الثاني - أي عدم حجّيّة رأي المجتهد اللاحق - فلأنّ الموضوع لها هو المتحيّر ، لا من قامت عنده الحجّة قبل ذلك ، ولذا لا يجوز للمجتهد الرجوع إلى المجتهد الآخر ، لقيام الطريق عنده الرافع للتحيّر ، ولذا حكموا أيضاً على الظاهر بعدم جواز العدول عن الحيّ إلى الحيّ .
إن قلت : رأي المجتهد اللاحق بالنسبة إلى الأعمال اللاحقة يلازم كون الحكم كذلك بالنسبة إلى السابقة ، فحجّيّته بالنسبة إليها تلازم حجّيّتها بالنسبة إلى السابقة وكذا رأي المجتهد السابق ، فيحصل التعارض فلا بدّ من الاحتياط .
قلت : هذا على تقدير حجّيّة قول المجتهد بالنسبة إلى لوازمه ، وحجّيّته من باب مقدّمات الانسداد - كما هو الصحيح - لا تقتضي إلّا التنجيز والإعذار من دون الكشف عن الواقع ، وكذا مفاد مثل قوله عليه السلام : « فإنّهم حجّتي عليكم وأنا حجّة اللَّه » ( 1 ) .
أو يقال بأنّ دليل حجّيّة قول المجتهد ليس مقتضاه الانحلال ، بل ما هو الحجّة هو صِرف وجوب الأخذ بقول المجتهد ، ومقتضاها التخيير لا التعارض .
هذا بحسب أصل المسألة في الجملة . وأمّا فروعها من كون الثاني أعلم أو ثبوت العلم الإجماليّ بمخالفة التكليف فهي موكولة إلى الفقه .
ثمّ إنّه ممّا ذكرنا يظهر الكلام في الاضطراريّ بالنسبة إلى الاضطراريّ - أي بالنسبة إلى الإجزاء عن الاضطراريّ - أو بالنسبة إلى الاختياريّ ، كمن كان تكليفه التيمّم وكان التراب منحصراً بالمتنجّس فتمكّن من التراب الطاهر أو تمكّن من الماء ؛ وكذا في الظاهريّ بالنسبة إلى الظاهريّ ، كمن شكّ في الإتيان بالقراءة في الركعتين الأخيرتين بعد تماميّة الصلاة أو الدخول في الركوع الآخر وفرضنا قيام الدليل عنده على لزوم القراءة فيهما ثمّ تبيّن بعد ذلك عدم القراءة أو تبيّن بعد ذلك عدم لزوم القراءة بل لزوم التسبيحات الأربعة مثلًا .
وأمّا إتيان المأمور به بالأمر الظاهريّ بالنسبة إلى الاضطراريّ وأنّه هل يجزئ عن الواقعيّ أم لا - كما أنّه لو حكم في التراب بأنّه طاهر لأصالة الطهارة أو الاستصحاب ثمّ انكشف نجاسته - فلا إشكال في عدم الإجزاء بناءً على عدم إجزاء متعلّق الحكم الظاهريّ عن الواقعيّ ، فإنّ الواقع لم يؤت به لا بنفسه ولا ببدله ، وصِرف العذر عن مخالفة الأمر الاضطراريّ لا يوجب الإجزاء عن الاضطراريّ حتّى يوجب الإجزاء عن الواقعيّ .
وأمّا بناءً على إجزاء متعلّق الأمر الظاهريّ عن الواقعيّ ففيه إشكال ثبوتاً وإثباتاً :
هامش
( 1 ) وسائل الشيعة : ج 18 ص 101 ح 9 من ب 11 من أبواب صفات القاضي .