أمّا الأوّل فواضح ، فإنّ أكثر الأوامر المتعلّقة بالواجبات لعلّه خالية عن التحذير عن الترك ، كقوله تعالى :
« وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ » ( 1 ) *
وقوله تعالى :
« وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ » ( 2 )
وغير ذلك مع أنّ من المعلوم أنّ دلالة الأمر على الوجوب لا تتوقّف على كونه مقروناً بالتحذير عن الترك بإجماع من تعرّض لدلالة الأمر عليه .
وأمّا الثاني فلأنّه يلزم لو كانت دلالة الأمر على الوجوب وضعيّة ، وأمّا إن كانت دلالته على الوجوب من باب الإطلاق أو من باب حجّيّة البعث على الوجوب فلا يلزم تخصيص الأكثر على الأوّل ولا يلزم التخصيص على الثاني أصلًا كما هو واضح .
وأمّا الثالث فلأنّ حكم العقل بالحسن ليس موجباً لرفع اليد عن الظهور في المولويّة ، فإنّ العقل يحكم بحسن العدل ، والعدل واجب شرعاً ، كما في جانب حكمه بالقبح ، فإنّه يحكم بقبح الظلم وهو حرام شرعاً .
إلّا أن يكون المقصود أنّ العقل يستقلّ باستحقاق المثوبة على الاستباق والمسارعة ، فالأمر المولويّ لغو ؛ وهذا بخلاف العدل والظلم ، فإنّ أثر الأمر والنهي هو المثوبة والعقوبة ، وذلك كالأمر بالاحتياط .
لكن يدفع ذلك بأنّ أثره ثبوت مثوبة أخرى لموافقة الأمر ، وحمل الأمر بالاحتياط إلى الإرشاد ليس من باب حكم العقل بحسن الاحتياط ، بل من باب ظهور تعلّق الأمر بالعنوان المذكور عرفاً في ذلك أي في كونه طريقاً إلى درك الواقع ، كما أنّ الأمر في المقام كذلك على ما بيّنّاه في الجواب الأوّل ، لا من باب حكم العقل بالحسن كما هو ظاهر الكفاية .
ومن ذلك يعرف أنّ ملاك الإرشاد ظهور الأمر في كونه طريقاً على درك شيء آخر وراء نفس المتعلّق سواء كان ممّا يحكم العقل بذلك أو لم يكن كذلك ، فافهم وتأمّل .
هامش
( 1 ) سورة البقرة : 43 . ( 2 ) سورة الحجّ : 78 .