الأمر بالمسارعة والاستباق إليه .
ثانيهما : أنّ قوله تعالى :
« ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ » ( 1 )
كاد أن يكون صريحاً في أنّ السبق بالخيرات ليس من الأمور الواجبة بل هو الفضل الكبير ، وأنّ المقتصد الّذي لا يكون ظالماً لنفسه من ليس له تلك الصفة الممدوحة ، وهو أيضاً ممدوح ، وإلّا لم يكن صادقاً عليه المقتصد في قبال الظالم لنفسه .
ويمكن الجواب عن خصوص الأولى بأنّ المسارعة إلى المغفرة عن الذنوب وجوبها عقليّ ، من باب رفع احتمال العقوبة ، فهو بعينه كالأمر بالمسارعة إلى التوبة ، والفرق بينهما أنّ الآية أعمّ من الأمر بالتوبة أو المسارعة إليها ، فإنّ الغفران قد يتحقّق بالتوبة ، وقد يتحقّق بفعل الحسنات ، من باب « إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ » ( 2 ) فالآية غير مربوطة بالمسارعة إلى فعل الواجبات بما هي كذلك ، بل تدلّ على وجوب المسارعة إلى التوبة ، فإنّ التوبة موجبة للغفران قطعاً ، وفعل الحسنات من دون التوبة غير معلوم كونه موجباً للغفران ، لعدم معلوليّة حبط الذنوب بفعل الحسنات إلّا بعد الإتيان بها كثيراً ، فالآية غير مربوطة بالمقصود . وعلى فرض العموم لا تدلّ على وجوب المسارعة بما هي فعل الخيرات . وعلى فرض الغضّ عن ذلك فلا يدلّ على أنّ الوجوب من حيث لزوم نفس المسارعة ، بل من حيث إنّ رفع تبعة العقوبة وجوبه فوريّ عقلًا .
وأمّا ما في الكفاية من « الجواب عنهما أوّلًا من الظهور في الاستحباب ، وإلّا لكان الأنسب التحذير عن تركهما . وثانياً : أنّه لو حمل الأمر فيهما على الوجوب لزم تخصيص الأكثر ، لخروج جميع المستحبّات وأكثر الواجبات . وثالثاً : أنّه حيث استقلّ العقل بحسن المسارعة والاستباق فيحمل الأمر على الإرشاد إلى ما يترتّب على نفس المسارعة والاستباق من الثواب والحسن من دون أن يكون استحقاق ذلك من جهة الأمر بهما » ( 3 ) فمدفوعٌ عنهما :
هامش
( 1 ) سورة فاطر : 32 . ( 2 ) سورة هود : 114 . ( 3 ) كفاية الأصول : ص 103 و 104 .