المسألة الأولى :
قد يقال : إنّه لا فرق بين الواجب الكفائيّ والعينيّ في ناحية المكلّف على خلاف ما اشتهر ويُرى في بادئ النظر ، بل الفرق بينهما إنّما هو في المكلّف به ، فإنّ المكلّف به في الكفائيّ هو أصل الطبيعة المطلقة من دون تقيّدها بالاستناد إلى المكلّف الخاصّ ، بخلاف العينيّ فإنّ مورد التكليف فيه هو الطبيعة المستندة إلى فاعل معيّن . وهذا موافق لما يستفاد من تقرير الطباطبائيّ البروجرديّ قدس سره ملخّصاً ( 1 ) .
وفيه : أنّ توجّه التكليف إلى كلّ مكلّف بالطبيعة المطلقة أعمّ من أن يوجدها بنفسه أو يوجدها غيره محال ، فإنّ توجيه التكليف ليس إلّا الأمر بالإيجاد فكيف يمكن أن يؤمر بإيجاد شيء يوجده غيره ولا يوجده بنفسه ؟ ! فهل هو إلّا الأمر بالنقيض في فرض حصول نقيضه ؟ ! كما أنّ توجيه التكليف إلى الطبيعة المقيّدة بأن يوجدها بنفسه أيضاً محال ، لأنّه لا يؤمر بإيجاد الطبيعة الّتي يوجدها بنفسه ، فإنّه الأمر بتحصيل ما يفرض حصوله ؛ فمتعلّق التكليف في الواجب العينيّ والواجب الكفائيّ هو أصل الطبيعة ، ولكن تتقيّد الطبيعة - بملاحظة توجّه الأمر إلى كلّ مكلّف بإيجادها - بما يوجدها بنفسه في العينيّ بعد الأمر بذلك ، ولا يلاحظ التقيّد في المتعلّق قبل الأمر بالإيجاد ، وأمّا في الكفائيّ فتقيّد بملاحظة الأمر بما توجده طبيعة المكلّف أو أحد المكلّفين كما
شرح
في الكفائيّ المأخوذ فيه قيد الوحدة أو الكفائيّ الشرعيّ على ما أشير إليهما في المتن .
ومثال الأوّل قوله تعالى :« فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ »- سورة التوبة : 122 - فنفر طائفتان مثلًا ؛ وعند الدقّة لا فرق بين كون المتعلّق أصل الطبيعة الصادق على المتعدّد على نحو التعدّد وبين أخذ الوحدة في المكلّف أو أخذ الخصوصيّة في المكلّف .
ومن ذلك ينقدح ورود إيرادين غير مندفعين على الكفاية :
أحدهما : عدم كون الإتيان به دفعةً مصاديق متعدّدة بمباشرة أفراد متعدّدين امتثالاتٍ له بحيث يستحقّ الكلّ على المثوبة ، بل الامتثال واحد منها .
ثانيهما : على فرض تسليم ذلك في فرض تعلّق التكليف بطبيعة البالغ فلا وجه لذلك في الكفائيّ الشرعيّ بل العقليّ المقيّد بفرد واحد من المكلّف أو فرد واحد من الطبيعة .
هامش
( 1 ) نهاية الأصول ( تقريراً لأبحاث آية اللَّه العظمى البروجرديّ قدس سره ) : ص 229 .