فنقول : مورد الشكّ تارةً هو التخيير الشرعيّ بمعنى أنّ المحتمل هو التخيير الشرعيّ ، وأخرى يكون المورد هو التخيير العقليّ بمعنى أنّه يحتمل تعلّق الأمر بشيء مخصوص بخصوصه أو بالجامع المنطبق عليه .
أمّا الكلام في الصورة الأولى فملخّص الكلام فيها أمور :
الأوّل : أنّ مقتضى الإطلاق هو التعيين ، كما مرّ نظيره في دوران الأمر بين الوجوب النفسيّ والغيريّ ، فإنّ الوجوب التخييريّ ملازم لتضيّق دائرة الوجوب ولو في مرحلة السقوط ، فإنّه لا يجب على فرض الإتيان بعدله خارجاً ، بخلاف الوجوب التعيينيّ فإنّ وجوبه مطلق . وبعض الإشكالات المتصوّرة في المقام مشتركة إيراداً ورفعاً مع ما تقدّم في مسألة الدوران بين النفسيّ والغيريّ فليراجع .
الثاني : أنّه لو كان المفروض كون الحكم المتعلّق بالمشكوك واحداً من حيث الملاك - بأن يكون إمّا تعييناً لا غير أو تخييراً لا غير - فلا ريب أنّ مقتضى الإطلاق المزبور نفي التخيير أيضاً ، فإنّه يثبت بالإطلاق أنّ الوجوب تعيينيّ ، وبالملازمة المفروضة بين ثبوت أحدهما ونفي الآخر المترتّبة على وحدة الحكم ينتفي التخيير .
وأمّا لو كان المحتمل ثبوت الملاكين فيحتمل أن يكون الشيء واجباً تعييناً أو تخييراً أو مجمعاً للحكمين ، فيثبت التعيين بالإطلاق ولكن لا ينتفي به احتمال التخيير ، بل لا بدّ لذلك من الرجوع إلى الأصل ، وحينئذٍ لو علم بكون الشيء مورداً للوجوب التخييريّ واحتمل التعيينيّ منه أيضاً وكان على طبقه دليل مطلق يحكم بالوجوبين بمقتضى فرض القطع والإطلاق .
الثالث : أنّه لو كان أمر أحد الفردين دائراً بين التعيين والتخيير وعلم بوحدة الحكم في ذاك الشيء المجهول كيفيّة وجوبه فمقتضى الإطلاق - مضافاً إلى ما عرفت من إثبات التعيين ونفي التخيير في نفسه - هو نفي التخيير في عدله أيضاً ، فإنّ التخيير في العدل الآخر لا عدل له سوى ذلك ، ومقتضى نفي التخيير نفي صلاحيّة ذلك الشيء المشكوك أن يكون عدلًا للواجب الآخر ، فلا يكون واجباً بالوجوب التخييريّ ، فنفي
مباني الأحكام في أصول شرائع الإسلام — صفحة 272
مساهمون: الشيخ مرتضى الحائري
ص٢٧٢