أحدهما : إمكان اختيار الاحتمال الأوّل ؛ وما ذكر من المحذور مندفعٌ بأنّ لغويّة البعث بقاءً توجب سقوطه ، ولا تقتضي عدم ثبوته من أوّل الأمر ، فالبعث التخييريّ الّذي أحد طرفيه الأقلّ المحدود بعدم الزائد وطرفه الآخر هو الأكثر موجودٌ في أوّل الأمر ، وهو يقتضي التحريك ، وبمقتضاه انبعث إليه وتحرّك حتّى وصل إلى حدّ لا يمكنه الفرار من حكومة المولى ، لأنّ غرضه حاصل على كلّ حال ، فيسقط الأمر بذلك ، كما يقال بسقوط الأمر بقتل المرتدّ إذا أوجد المكلّف ما بسببه يحصل القتل ضرورة .
ومن ذلك يظهر أنّ ما ذكرناه في صدر المبحث وجهاً لاستحالة التخيير بين الأقلّ والأكثر من المحذور في بقاء الأمر منظورٌ فيه ، إذ صِرف عدم بقاء الأمر بالأكثر بعد الإتيان بالأقلّ لا يوجب استحالة التخيير من أوّل الأمر ، بل المحذور فيه أنّ تعلّق الوجوب التخييريّ بالأكثر الّذي مرجعه إلى وجوبه عند عدم وجوب الأقلّ أو عند ترك الأقلّ عين تعلّق الوجوب بشيء عند عدم تعلّقه به أو عند فرض تركه ، فافهم وتأمّل .
ثانيهما : إمكان اختيار الاحتمال الثاني والالتزام بعدم لزوم كون الواجب هو المقوّم للغرض ، بل اللازم كونه أعمّ منه ومن الّذي يجعل حصول غرض المولى ضروريّاً بحيث لا يكون تحت اختيار العبد ؛ ولذا يمكن أن يقال في باب العبادة المعادة وأنّ المختار أحبّ العملين : إنّ الواجب هو الأوّل وما يقوم به الغرض الأقصى خارجاً هو الثاني وإنّ الاختيار إنّما هو في مقام تعلّق الغرض لا في مقام الفرديّة للواجب ، فإنّ انطباق الواجب على الأوّل عقليّ قهريّ وليس ممّا تناله يد الجعل والتشريع ؛ فإذا دار الأمر بين الاحتمالين فلا ريب أنّه حيث إنّ المفروض في مقام البحث عن الإمكان والاستحالة هو إثبات الإمكان يحكم بالإمكان في تلك الصورة أيضاً ويترتّب عليه أنّه لا يرفع اليد عن الدليل الظاهر في التخيير فيها ، بخلاف الصورة الأولى ، فإنّه لا بدّ من رفع اليد عن الظاهر فيها لا محالة .
وأمّا الثاني فهو أيضاً على أقسام ثلاثة كالأوّل .
والإشكال الّذي أوردناه في القسم الثالث لا يتمشّى فيه ، لأنّ منشأ الإشكال
مباني الأحكام في أصول شرائع الإسلام — صفحة 270
مساهمون: الشيخ مرتضى الحائري
ص٢٧٠