شرح
والكلام في ذلك في مقامين :
أحدهما في إمكان ذلك عقلًا ؛ بمعنى عدم منافاة توجّه الأمر إلى شخص وإتيان شخص آخر للعمل فيسقط ذمّة المأمور . وجه توهّم عدم الإمكان : أنّ مقتضى تعلّق الأمر وتوجّهه إلى شخص خاصّ أن يكون العمل صادراً عنه ، وإلّا لا معنى للأمر ، فيكون تعلّق الأمر بشخص وكفاية عمل الغير من المتنافيين . والجواب : عدم تقوّم حقيقة الأمر بإتيان المأمور بنفسه ، بل تقوّمه بأن يكون الفعل على عهدته بحيث لو لم يتحقّق لكان المؤاخذ المأمورَ لا الآتيَ ولا كليهما ، وذلك مثل تطهير الثوب للصلاة ، فإنّ تطهير ذلك على المصلّي بحيث لو صلّى من دون تطهير ثيابه لاستحقّ العقوبة على ذلك لكن لو طهّره شخص آخر سقط عن عهدته ، فعهدة التطهير على صاحب الثوب الّذي يصلّي فيه ، لكن متعلّق التعهّد ليس فعل نفسه ، بل وجود ذلك في الخارج ، فلا إشكال عقلًا . ثانيهما : في ظهور الدليل المشتمل على الحكم . والظاهر أنّه إن كان المتعارف فيه التوكيل الّذي هو النيابة مع التسبيب - كالنكاح والبيع والشراء - فمقتضى الظهور هو الأعمّ من المباشرة والتوكيل ؛ وما كان المتعارف فيه التسبيب - كبناء المساجد وذبح الذبائح - فمقتضاه الأعمّ من ذلك ؛ وإن لم يكن التسبيب أو التوكيل متعارفاً بحدّ يوجب ظهور الدليل في الأعمّ - كما في الحجّ - فلا بدّ من الرجوع إلى الأصل العمليّ ، والأصل عدم التقيّد بالإضافة إليه ، وعلى فرض الإضافة فمقتضى الأصل كفاية إضافةٍ ما من المباشرة أو التسبيب . وقد مرّ بعض الكلام فيه في بحث التعبّديّ والتوصّليّ ( 1 ) من هذا التعليق . المسألة الرابعة في جواز النيابة في العبادة عقلًا . يمكن أن يتوهّم عدم إمكان النيابة في العبادات من دون أيّ إضافة إيجاديّة إلى المنوب عنه ولو بنحو التسبيب ، من جهة أنّ حقيقة العبادة عبارة عن حُسنٍ فاعليّ يوجد في النفس حقيقةً من جهة إضافة العمل - من جهة الداعي - إلى المولى ، والنيابة في حصول ذلك الأمر الحقيقيّ بحيث يحصل ذلك في المنوب عنه محال قطعاً فكيف يتصوّر النيابة في العبادات ؟ ودفعُ ذلك بأنّه ليس معنى النيابة في العبادات النيابةَ في حصول وصف العبوديّة للمنوب عنه ، بل العبوديّة كسائر الأفعال والشروط ممّا يصدر عن النائب ويقصد بجميع ذلك سقوطَ الأمر عن المنوب عنه ، فالنيابة في العبادة بمعنى أنّ متعلّق النيابة هو العمل العباديّ ، لا أنّ متعلّقها ذات العمل ، والأثر الحاصل للمنوب عنه هو العبوديّة بذلك العمل ، فلا إشكال أيضاً من تلك الجهة بحمده تعالى وتوفيقه . المسألة الخامسة في أخذ الأجرة على النيابة في العبادات ، فإنّه يمكن أن تكون النيابة في العبادات ممكنةً عقلًا وأخذ الأجرة على الواجبات كذلك . لكن يشكل في أخذ الأجرة على النيابة في العبادة ، من جهة عدم الأمر بها حين البناء على أخذ الأجرة . والجواب : أنّ الإشكال المزبور من جهة مقام الإثبات ، وسيجيء الكلام فيه من قيام الدليل على صحّةهامش
( 1 ) في ص 194 وما بعدها .