شرح
ومن ذلك يظهر أنّه إذا لم يُجد الداعي على الداعي في تحقّق الإخلاص في فرض كفاية صلاحيّة استقلال الداعي الإلهيّ فيه فأولى بعدم الإجداء إذا فرض عدم الاستقلال الشأنيّ أو عدم كفايته .
فإنّه يرد عليه - مضافاً إلى ما مرّ من عدم الإخلاص من ناحية العلّة - عدم الإخلاص بالنسبة إلى أصل العمل أيضاً ، فإنّ الداعي غير الإلهيّ ليس موجباً لحصول الداعي فقط ، بل موجب لحصول العمل أيضاً ، بل الظاهر أنّ الإشكال الثاني وارد في الفرض المذكور أيضاً ، لأنّ فرض التحرّك نحو الداعي الإلهيّ من جهة الوفاء بالإجارة المفروض كونه غير إلهيّ ملازم لعدم كفاية الجهات النفسانيّة لإيجاد الداعي الإلهيّ على نحو الاستقلال ولو على النحو الشأنيّ ، فلا داعي له مستقلًاّ بالنسبة إلى العمل أيضاً ، فافهم وتأمّل .
لكن لا يخفى أنّ عدم استقامة الجواب الثاني في ما كان متعلّق الإجارة هو العمل بوصف كونه عبادة ، وأمّا إذا كان متعلّق الإجارة صورة العبادة من دون الاشتراط بالقربة فالظاهر أنّه لا إشكال فيه بناءً على كفاية الاستقلال الذاتيّ في الإخلاص كما تقدّم .
لكن مع ذلك كلّه يمكن تصحيحُ الجواب الثالث حتّى في فرض تعلّق الإجارة بعنوان العبادة ورفعُ إشكال اللغويّة بكفاية التأكّد ، فيحصل العمل بداعيين مستقلّين ذاتاً ويحصل الداعي الإلهيّ بالجهات النفسانيّة الإلهيّة وداعي أخذ الأجرة ، ولا إشكال في ذلك . وعلى هذا فيستحقّ الأجير الأُجرة بإتيان العمل المستأجر عليه عبادة : إمّا بأن يقصد التقرّب إليه تعالى بالوفاء بالإجارة ، وإمّا بأن يقصد التقرّب إليه بالأمر بذات العمل المتحقّق مع داعي الأمر بالإجارة من باب كفاية الاستقلال الذاتيّ في الإخلاص ولو فرض عدم مقرّبيّة الأمر بالإجارة ، وإمّا بإلقاء الأمر بالإجارة أو قصد أخذ الأجرة في الجعالة عن الاستقلال فيأتي بالعمل قربةً إليه تعالى ويقصد في ضمنه أخذ الأجرة لا بأن يكون مستقلًاّ في التأثير ، أو بأن لا يقصد أخذ الأجرة أصلًا من دون قصد المجّانيّة ، بأن لم يكن متوجّهاً إلى الإجارة أو الجعالة أو كان متوجّهاً إلى ذلك ولكن لم يكن مؤثّراً في الداعي وتقويته ولو ضمناً وكان في نظره الأخذ إن أعطي ، بل ولو كان قصده التبرّع والمجّانيّة وكان في نظره عدم أخذ الأُجرة لا بنحو يسقط الاستحقاق ويبرئ ذمّة المستأجر أو الجاعل عن إعطائها وكان كمن يقرض ويضمن المستقرض لكن كان في نظره أن يبرئه بعد ذلك أو لا يأخذ منه ولا يطالبه أصلًا ؛ وهذا غير الهبة الّتي هي المجّانيّة المطلقة ، فإنّ مقتضى القاعدة استحقاق الأجرة في جميع ذلك بحسب الظاهر وإن كان لا بدّ من مراجعة باب الجعالة والإجارة بالنسبة إلى بعض ما تقدّم من الفروع . لكن ما ذكرناه مقتضى ما يصل إليه النظر عاجلًا بالنسبة إلى استحقاق الأجرة ولو مع قصد المجّانيّة ؛ وما ذكرناه لا ينافي ما اشتهر من أنّ عمل المسلم محترم ما لم يكن هو متبرّعاً ، فإنّ مورده يمكن أن يكون العمل الواقع بأمر الآمر من دون جعل الأجر له ، فإنّ صِرف الأمر مع فرض التبرّع لا يوجب استحقاق الأجرة .
ويمكن أن يفصّل بين الإجارة الّتي يكون المفروض فيها تماميّة الإيجاب والقبول قبل العمل والجعالة الّتي قبولها بالعمل بعنوان أخذ الأجرة ؛ كما أنّه يمكن التفصيل في الجعالة أيضاً بين قصد التبرّع بمعنى عدم أخذ الأجرة خارجاً أو بمعنى عدم الاستحقاق ، فافهم وتأمّل .
وأمّا ما في الكفاية من « إمكان أن يقال بجواز أخذ الأجرة على الواجبات التعبّديّة من باب كون متعلّق