شرح
والحلّ : أنّه يأتي بالعمل بداعي الأمر بالوفاء من حيث دخالة العمل في الوفاء ، ويأتي بذلك الداعي من حيث تعلّق الأمر بالإتيان بذلك الداعي ودخالة الداعي في الوفاء ، كما مرّ نظيره في بحث التعبّديّ والتوصّليّ .
الثالث : أن يقال : إنّه يكفي في الإخلاص استقلال الداعي الإلهيّ بمعنى كفايته في التحرّك نحو العمل ، ويكفي في صحّة الإجارة صلاحيّة الأمر بالإجارة للاستقلال في التحرّك ، فيأتي بداعي التقرّب من ناحية الأمر المتوجّه إلى ذات العمل وبداعي الوفاء بالإجارة بنحو يكون كلا الداعيين مستقلّين في التأثير من حيث الصلاحيّة ولا إشكال في ذلك ؛ لكن فيه إشكال من حيث أصل كفاية ذلك في الإخلاص ، ولقد أشكلنا سابقاً في التعليق المستدلّ على العروة من جهة إطلاق دليل الإخلاص .
لكنّ الّذي يؤدّي إليه النظر فعلًا قوّة كفاية الاستقلال الشأنيّ في الإخلاص ، لأنّ منشأ الإخلاص إنّما هو كمال النفس الموجب للتسليم والرضا بأمر المولى بلغ ما بلغ وإن كان أمره بقتل نفسه ، وتلك السجيّة بجميع درجاتها لا تقتضي عدم جهة أخرى في النفس من حيث الشفقة على الفقير في الزكاة ومن حيث الشفقة في الابن الغريق المؤمن مع أنّه لم ينبّه في مثل الزكاة والخمس وصلاة الوالدين والقضاء عنهما وزيارة الأئمّة عليهم السلام لزوم إماتة الحبّ والشفقة على الفقراء والسادات والوالدين في مقام الإتيان بالزيارة أو الصلاة لهم عليهم السلام أو للوالدين ، وكلّ ذلك لو لم يورث القطع بعدم اللزوم فلا أقلّ من الشكّ في اعتبار الإخلاص أزيد من الصلاحيّة للتأثير بنحو الاستقلال ، فالظاهر أنّ هذا الإشكال مندفع .
لكن دفع الإشكال بذلك في المقام لا يخلو عن إشكال ، من جهة أنّ المفروض تعلّق الإجارة بالعمل بوصف العباديّة ، والمفروض أنّ مصحّح عباديّته قصد الأمر المتوجّه إلى ذات العمل لا الأمر الإجاريّ ، وإلّا يرجع إلى الجواب المتقدّم ، وحينئذٍ لا معنى لتعلّق الأمر الإجاريّ الحاكم بالوفاء ، فإنّه لو لم يتحرّك من الأمر بذات العمل لم يعقل تحرّكه من الأمر بالإجارة ، لعدم حصول متعلّقه الّذي هو العبادة ، وإن كان متحرّكاً عنه إليه فلا يحتاج إلى الأمر بالوفاء .
وتصوير ذلك ب « أنّ الأمر بالوفاء موجب للتحرّك من الأمر بذات العمل ، فتأثير الأمر الإجاريّ يكون حين حصول التحرّك من الأمر العباديّ المتعلّق بذات العمل بأن يوجده » مرجعه إلى الداعي على الداعي الّذي هو مشكل جدّاً ، من جهة أنّ علّيّة الأمر الإجاريّ للتحرّك من ناحية الأمر بذات العمل على وجه الإخلاص محال ، فإنّه يلزم من علّيّته عدمها ، لأنّ مقتضى العلّيّة عدم خلوص المعلول في التأثير في معلوله ، فالعلّيّة لأن يكون شيء آخر علّةً بنحو الخلوص مساوق لكون العلّة علّة لعدمها ، فتأمّل .
وإن قيل ب « عدم اعتبار الخلوص من ناحية العلّة للداعي ، بل الخلوص اللازم معتبر في متعلّق الداعي ، فإنّ الداعي الإلهيّ ينتهي في جلّ العبادات بل كلّها لجلّ الناس إلى الخوف عن النار وطمع النعيم » فهو مدفوعٌ بأنّه في مورد النقض يكون الداعي الأصليّ أيضاً إلهيّاً ومضافاً إليه تعالى ، لأنّه يعبده تعالى لأن يخلّصه اللَّه تعالى من العذاب ويترحّم عليه بالإحسان وبذل النعم والجنان ، بخلاف الانتهاء إلى ما فرض أنّه غير الداعي الإلهيّ ، وهو الوفاء بالإجارة وأخذ الأجرة .