شرح
وأمّا النقض بعمل العبد فهو غير مربوط بما نحن فيه ، فإنّ عمل العبد لسيّده ، والإجارة تصرّف في مال الغير بغير إذنه ، فلا يجوز أخذ الأجرة للعبد ولو لم يأمره المولى بعمل خاصّ له نفع للغير كما في مورد النقض ؛ وأمّا لو أجاز المولى ذلك فلا بأس به أيضاً ، بأن يعمل للمولى عملًا خاصّاً ولغيره أيضاً ذلك العمل الخاصّ ، فيأخذ الأجرة لنفسه أو للمولى ، ففي العبد يملكه السيّد عيناً فيملك جميع منافعه ، وفي العمل لا يملك المستأجر الأوّل إلّا العمل لا جميع منافع العمل ، فإنّ تملّك العين وتمليكه بملاحظة المنافع وأمّا تمليك المنافع ليس إلّا بملاحظة نفسها .
المسألة الثانية في الاستيجار على العبادات .
والمبحوث عنه فيها أنّ وصف العباديّة هل يجتمع مع إتيان العمل لاستحقاق الأجرة إجارةً أو جُعالةً أو لا يجتمع معه ؟
وجه الإخلال بالعباديّة : اشتراط الإخلاص فيها ، فلا بدّ أن يكون العمل خالصاً له ، فلا يمكن أن يكون لاستحقاق الأجرة حتّى يصحّ ولا بقصد الوفاء بالإجارة حتّى يصحّ إجارةً ، فإنّه لو عمل الأجير خالصاً مخلصاً له تعالى فلا يستحقّ الأجرة ، لمساوقته لقصد التبرّع ؛ وإن فرض أنّ ذلك غير مانع عن صحّة الإجارة وجواز أخذ الأجرة لكن لا بدّ أن يكون متعلّق الإجارة قابلًا لأن يؤتى به بقصد الوفاء بالإجارة وإلّا لا يصحّ تعلّق الأمر بالوفاء به فإذا لم يكن قابلًا لذلك فلا يصحّ إجارةً .
والجواب عن ذلك بوجوه :
الأوّل : أنّ المعتبر في استحقاق الأجرة عدم قصد التبرّع ، فلو فرض قصد الأمر الإلهيّ بالاستقلال وقصد الوفاء بالإجارة ضمناً فلا تبرّع ، فيستحقّ الجعل في الجعالة ويجوز له أخذ أجرة المثل في الإجارة ، لأنّه وقع بأمره وقصد ذلك أيضاً وإن لم تصحّ الإجارة ، من جهة لزوم أن يكون الأمر بالوفاء قابلًا للانبعاث عنه .
لكنّ الإنصاف : أنّ ذلك مجرّد فرض ، فإنّ من يستأجر لصلاة ليلة الدفن لا يقصد الإتيانَ بها وإهداءَ ثوابها للميّت قربة إلى اللَّه تعالى بنحو الاستقلال ويكون قصد الوفاء بالإجارة ضمنيّاً ، وإلّا لانقدح الداعي في نفسه من دون الاستيجار أو الجعالة ، لكنّه في قبال السلب الكلّيّ يصلح أن يكون ناقضاً .
الثاني : أن يقال إنّ الإتيان بالعمل بقصد الوفاء بالإجارة أو بقصد حلّيّة الأجرة مضافٌ إليه تعالى ويكون العمل عباديّاً بذلك ، إذ لا يشترط في العبادة قصد أمر نفسها بعنوانها الذاتيّ ، بل لا بدّ من الإتيان بها بداعي القربة ولو كان ذلك من جهة طروّ عنوان عليه متعلّق للأمر الإلهيّ أيضاً وإن كان الأمر بنفسه توصّليّاً ، إلّا أنّ كلّ أمرٍ قابلٌ لأن يتقرّب منه ويصير العمل بذلك عباديّاً .
وليس في هذا الوجه إشكال إلّا توهّم إتيان العمل بداعي الأمر بالوفاء بذلك الداعي ، فإنّ داعي الإتيان به بقصد امتثال الأمر بالوفاء ليس إلّا من جهة تعلّق الإجارة به بما هو عبادة ، فيقصد الأمر بالوفاء للأمر بالوفاء فيأتي داعي الأمر بالوفاء به ، وهو محال .
والجواب : أنّ هذا الإشكال وارد في جميع العبادات ، ولا ينحصر بالمقام الّذي فرض عروض عنوان العباديّة على متعلّق الإجارة من باب كون المتعلّق هو العمل العباديّ .