تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباني الأحكام في أصول شرائع الإسلام — صفحة 188

مساهمون:

ص١٨٨
الإطاعة والتعبّد بغير الإيمان [ أي مضافاً إلى الإيمان ] ، مع أنّ الإيمان لم يكن إلّا بحكم العقل ، لا من باب إطاعة اللَّه الثابتة بقول الرسول ، للزوم الدور . ومنها : أنّه على فرض الغضّ عن جميع ما ذكر فلا يدلّ الأمر المذكور على دخالة قصد القربة في الأوامر وضعاً حتّى لا يصحّ بدون قصد الأمر ، فلو أتى بمتعلّق الأمر فمقتضى إطلاق الأمر الخاصّ سقوطه وعصيان الأمر بالإطاعة على الفرض المذكور ، فلا يتمّ المطلوب . وقد يستدلّ بقوله تعالى :
« وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ ( 1 ) مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ » ( 1 ) .
والجواب عنه أوّلًا : أنّه يحتمل أن يكون الحصر باعتبار المعبود ، فيكون المعنى وما أمروا بعبادة أحد إلّا بعبادته تعالى ، كما ربما تؤيّده الآية الّتي قبلها أي قوله تعالى :
« وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ » ( 2 )
وقوله بعد ذلك
« حُنَفاءَ »
فإنّه لم يكن تفرّق أهل الكتاب بحسب الظاهر مربوطاً بتركهم قصد الأمر في امتثالاتهم ، بل
شرح
( 1 ) هذا كلّه على فرض كون المقصود بالعبادة هو إتيان العمل بداعي القربة ، ولعلّه خلاف الظاهر في الآيات القرآنيّة في مقام تحريم عبادة غيره تعالى من الأنبياء والأولياء والملائكة والنجوم والأصنام ، لوضوح عدم حرمة إتيان عمل بداعي إطاعة آمره - كالولد بالنسبة إلى الوالد وكالتلميذ بالنسبة إلى الأستاذ وغير ذلك - وحرمةِ السجدة للأصنام ولو كانت بداعي ملاحظة المشركين رياءً لهم لا بداعي كونها محبوباً عند الأصنام ، بل لعلّ المقصود بالعبادة - واللَّه المتعالي هو العالم - هو الإتيان بعمل أو الالتزام بشيء لشخص من باب كونه إلهاً - أي مؤثّراً بنحو الاستقلال في جميع الأمور أو في بعض الأمور - أو من باب كونه بمنزلة الإله الواقعيّ فيعمل له بدلًا عنه من باب عدم لياقة عمله للحقّ المتعالي فيجعل مراسم عبوديّته لموجود آخر بدلًا عنه ؛ وبهذا المعنى يكون الالتزام بجميع الأحكام الإلهيّة من باب أنّه حكمه تعالى وأنّه من جانب اللَّه تعالى عبادة ، ولا يجوز الالتزام بحكم من باب أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله - ونعوذ باللَّه - مؤثّر بنحو الاستقلال ، فلعلّ قوله تعالى بعد قوله« وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ » :« مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ »( 3 ) بمنزلة التفسير للعبادة . وللكلام محلّ آخر ، والمقصود أنّ التعبّديّ والتوصّليّ المبحوث عنهما في الفقه والأصول غير العبادة المحرّمة لغيره تعالى الموجبة للشرك باللَّه العليّ العظيم .
هامش
( 1 و 3 ) سورة البيّنة : 5 . ( 2 ) سورة البيّنة : 4 .