فبعد كونه كذلك في تمام الألسنة وعند جميع الأمم فالدلالة العموميّة تكشف عن وجود جهة عقليّة مشتركة بين جميع الأمم والأديان وذوي الألسنة .
ومنه يظهر الإشكال في دلالة الحكم وحجّيّته عند العقلاء على الوجوب وهو الوجه الخامس .
وأمّا السادس فهو ادّعاء بلا برهان ولا يساعده الوجدان بحيث يكون حكم العقل بذلك إلزاميّاً ؛ مع أنّه لو كان الملاك في الوجوب هو الجري على رسوم العبوديّة لم يكن يستفاد منه الوجوب في أوامر الصديق بالنسبة إلى صديقه الباني على ترتيب الأثر على ما يريده منه بنحو الإلزام مع أنّ استفادة الوجوب من أوامره أيضاً واضح ، كما أنّ الأمر أيضاً كذلك بالنسبة إلى الأب مع أنّه ليس بينه وبين الابن مراسم العبوديّة قطعاً ، فلم يبق ما يصلح أن يكون ملاكاً لاستفادة الوجوب من الصيغة إلّا الوجه الثاني ، وقد أشرنا إلى تقريب مقدّمات الحكمة ونزيده توضيحاً بعون الملك المنّان ونقول :
الظاهر عدم صحّة التقريب الثاني من تقريبي الأخذ بالإطلاق ، فإنّه مبنيّ على أنّ كون الصيغة حاكيةً عن شدّة الإرادة أولى من كونها حاكيةً عن عدم المرتبة الشديدة ، وذلك واضح إذا لوحظ بالنسبة إلى نفس الصيغة ، وأمّا إذا كان عدم بيان الشدّة صالحاً لكونه مبيّناً للاستحباب فليس في البين أولويّة ، إذ بملاك أنّ المستحبّ متقوّم بأمر عدميّ ويكفي لبيانه عدم ذكر كون الإرادة شديدة فهو أولى بالمقصود ، وبملاك أنّ نفس الصيغة صالحة للحكاية عن الشدّة عند الدوران فهو أولى ، فالأمران متساويان في نظر العرف فلا يمكن أن يكون المتكلّم مع الفرض المذكور في مقام البيان ، فتأمّل .
نعم ، التقريب الأوّل صحيح عندي ، فإنّه ( مضافاً إلى أنّه يكفي في صحّته فرضُ بطلان الوجوه الأخر وفرضُ استفادة الوجوب بالضرورة فينحصر في أن يكون بالإطلاق ، وحيث بيّن أيضاً عدم صحّة التقريب الثاني ينحصر في التقريب الأوّل ) نقول : إنّ مقدّمات الحكمة تامّة كتماميّة مقدّماتها في مثل « أعتق الرقبة » بلا فرق بينهما ، لكن إدراج المبحوث عنه في الكبرى المشترك انطباقها على جميع المطلقات الّتي يستفاد منها الإطلاق في الدرجة الأولى فيكفي فيه أصالة كونه في مقام البيان
مباني الأحكام في أصول شرائع الإسلام — صفحة 162
مساهمون: الشيخ مرتضى الحائري
ص١٦٢