تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباني الأحكام في أصول شرائع الإسلام — صفحة 152

مساهمون:

ص١٥٢
لورود بعض الأخبار على ثبوت الحكم الشرعيّ في كلّ موضوع من الموضوعات الّتي يمكن أن يكون متعلّقاً للحكم الشرعيّ . . . [ لم يوفّق الأستاذ قدس سره لكتابة تتمّة المبحث ] .
شرح
وفيه أوّلًا : أنّ العدم الّذي من شأنه الوجود - أي يمكن إيجاده - له شائبة من الوجود باعتبار الملكة كما يقال . وثانياً : أنّ الملاك قد يكون هو الحسن والقبح ، وهما ينطبقان بالوجوه والاعتبارات كما يقال أيضاً . وثالثاً : أنّه قد يكون أمر وجوديّ مانعاً عن تحقّق المصلحة فيتعلّق الوجوب بعدم المانع ، ولا وجه لتعلّق الحرمة بوجود المانع ، إذ الإرادة الأصليّة متعلّقة بتحقّق المصلحة ، ولا يترشّح من الإرادة أوّلًا وبالذات إلّا الإرادة ، ويكون المانع مورداً للكراهة بالعرض وبالملازمة ، فإنّ ما هو المحذور تقوّم المصلحة بالأمر العدميّ ، وأمّا تعلّق الإرادة فلا مانع منه ، وما هو قابل لتعلّق الإرادة به هو عدم المانع ، ولا ملاك لتعلّق الكراهة بوجود المانع من دون أن يكون عدمه مراداً ، فإنّ ملاك تعلّق الإرادة والكراهة إذا كانتا غيريّتين إمّا المقدّميّة وإمّا الضدّيّة العامّة ، وكلتاهما مفقودتان في وجود المانع إلّا بتوسيط تعلّق الإرادة بعدم المانع من تعلّق الإرادة الأصليّة بتحقّق ما فيه المصلحة ؛ فإذا تعلّقت إرادة المولى بأن يحرق العبد - مثلًا - جسماً والرطوبة مانعة عنه فتترشّح منها الإرادة إلى عدمها ، ولا يمكن ترشّحها إلى وجودها كما هو واضح ، ولكن يمكن ترشّح الكراهة من الإرادة من دون توسيط تعلّق الإرادة بعدم الرطوبة ، لأنّه بلا ملاك . هذا في طرف المصلحة . وكذا الكلام في طرف المفسدة فيمكن أن يكون أمراً وجوديّاً مانعاً عن المفسدة القائمة بالأمر الوجوديّ ، فيكون عدم ذلك حراماً إذا فرض وجود المقتضي والشرط مثلًا ، ويلزم ذلك وجوب إيجاد المانع لئلّا تتحقّق المصلحة ، فافهم وتأمّل . ورابعاً : أنّه يمكن أن تكون المصلحة في التحريك نحو العدم وهو وجوديّ . فعلى ما ذكرناه لا مانع أيضاً من كون وجود شيء واجباً بالذات وتركه حراماً كذلك ، فيكون التارك مستحقّاً لعقوبتين ، لترك حكمين أصليّين إلزاميّين ، أو يكون وجود شيء حراماً بالذات وتركه واجباً كذلك ، وقد تقدّم بعض الكلام ممّا يكون مربوطاً بالمقام من الحكم بإمكان شرطيّة أحد الضدّين ومانعيّة الآخر ؛ ولعلّ من هذا القبيل حرمة الفرار من الزحف الّذي جعل في غير واحد من الروايات - على ما هو ببالي - من المحرّمات ( 1 ) وهو أمر عدميّ ، لأنّه ترك الحضور في الجهاد بعد المسبوقيّة بالحضور ، فالجهاد واجب عليه فعلًا ، وتركه حرام لا من باب ترك الجهاد ، بل من باب كون هذا الترك الخاصّ موجب للتجرّي وسراية ذلك إلى عدّة أخرى من المجاهدين . ويشبه ذلك الانطباق على الجواب الأوّل ، لأنّه ليس عدماً محضاً ، بل هو عدم خاصّ مصداق لعنوان الفرار ، وهو متضمّن للمفسدة باعتبار مسبوقيّته بالوجود وترقّب إدامته وكون ذلك مسرياً إلى غيره ، وهو العالم . ولعلّ من ذلك يظهر أنّ بعض ما يسمّى مكروهاً فعله يكون مستحبّاً تركه ، وكذا بعض ما يسمّى حراماً فهو واجب الترك ، فلا بدّ من التأمّل والدقّة في المباحث الفقهيّة ، واللَّه المتعالي هو الموفّق للصواب .
هامش
( 1 ) وسائل الشيعة : ج 11 ص 251 ، الباب 46 من أبواب جهاد النفس .