شرح
والزجر المسبّبان عن الملاك القويّ الملزم إيجاب وتحريم ، والمسبّب عن الملاك الضعيف استحباب وكراهة .
كما أنّه يمكن أن يكون الإيجاب هو البعث على وجه الإلزام على المكلّف أي الإلزام الإنشائيّ الاعتباريّ ، والتحريم هو الزجر على وجه إلزام الترك أو الانتهاء عن الفعل على المكلّف كذلك ، وهو العالم .
الثالث : في شرح حقيقة الإباحة .
والظاهر أنّها على قسمين ، لأنّها إمّا علم الحقّ تعالى بعدم مزيّة لأحد طرفي الفعل والترك على الآخر إمّا من جهة خلوّ الفعل والترك عن الملاك وإمّا من جهة تساوي الملاكين ، وهذا هو الإباحة اللااقتضائيّة ، وإمّا أنّها عبارة عن علمه تعالى شأنه بوجود المصلحة في كون العباد مخيّرين ولا يكونون ملزمين بأحد الطرفين ولا يكونون مبعوثاً إليهم بالفعل أو الترك ولو بنحو الاستحباب أو الكراهة ، وذلك هو الإباحة الاقتضائيّة ، وذلك قد يجتمع مع اللااقتضائيّة ، فلا تكون لأحد الطرفين من الفعل أو الترك مزيّة على الآخر وتكون المصلحة في مرخّصيّة العبد في الفعل والترك على وجه التساوي ، وقد يكون الترجيح لأحد الجانبين على الآخر بنحو الإلزام أو بغيره لكنّ المصلحة الغالبة تقتضي مرخّصيّة العباد على النحو المتساوي ؛ فالإباحة اللااقتضائيّة في مقام اللبّ هو علم الحقّ المتعالي بعدم ملاك يرجّح الفعل على الترك أو بالعكس من الملاكات المقتضية للتشريع ، وهو لا ينافي علمه تعالى بترجيح الفعل على الترك أو بالعكس من جهة العلل التكوينيّة الّتي منها اختيار العبد ، فإنّه تعالى اقتضت حكمته أن يكون العبد مختاراً ، فما يختاره العبد راجح عنده تعالى من جهة ما شاءه من الحكمة ، وليس صِرف التساوي الواقعيّ كافياً في ماهيّة الإباحة اللااقتضائيّة الإلهيّة ، كما أنّ صِرف وجود المصلحة الواقعيّة القويّة في الفعل لا يكون حكماً إلهيّاً ما لم يستند إليه تعالى ؛ فالإباحة في مقام اللبّ أمر وجوديّ ، وأمّا في مقام الإنشاء فالظاهر أنّها إنشاء عدم البأس من حيث الفعل والترك ، فهو أيضاً أمر وجوديّ وليس صِرف عدم البأس الواقعيّ في الفعل والترك ، فليست هي عين عدم الأحكام الأربعة .
لكنّ الإنصاف : أنّ إنشاء الإباحة بمعنى إيجاد معنىً اعتباري لم يكن موجوداً قبل ذلك متصوّرٌ في ما كان مسبوقاً بالحكم الاقتضائيّ من الأحكام الأربعة الأخرى ، وأمّا إذا لم يكن كذلك فحقيقة الإباحة ليست إلّا عدم الأحكام الأربعة الاقتضائيّة من جانب المولى ، فتأمّل .
الرابع : لا ينبغي الإشكال في أنّه لا فرق بين موضوع المباحات والأحكام الأربعة الأخرى من حيث الظهور التامّ في أنّ الموضوع نفس العنوان المأخوذ في الدليل ، فلا فرق قطعاً بالوجدان بين حرمة لحم الخنزير وحلّيّة لحم الغنم في كون الموضوع في كلّ منهما هو ذلك الموضوع من غير دخالة العناوين الطارئة في تعلّق الحكم به ، فلحم الخنزير مغصوباً كان أم كان للكافر أو للمسلم حرام بما هو لحم الخنزير لا بما هو مغصوب أو بما هو للكافر ، كما أنّ لحم الغنم حلال كذلك ، فهو حلال بما هو لحم الغنم وإن كان مغصوباً لكن حرمته من حيث الغصب لا تنافي حلّيّته من حيث كونه لحم الغنم ، كما أنّ حرمة لحم الخنزير من حيث إنّه لحم الخنزير لا ينافي حلّيّته من حيث عدم كونه مغصوباً - مثلًا - من ذمّيّ .
وبعد ذلك فالوجه في الحكم بالحرمة الفعليّة دون الحلّيّة الفعليّة في ما إذا اجتمع العنوانان في فرد كما في لحم الغنم المغصوب أو غير المذكّى ( بعد عدم الفرق بين موضوع الحلّيّة والحرمة من حيث تعلّق الحكم بنفس