تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباني الأحكام في أصول شرائع الإسلام — صفحة 149

مساهمون:

ص١٤٩
شرح
المصلحة الإلزاميّة في المتعلّق من دون معارضتها لمفسدة أخرى فيه كان الحكم موجوداً ولم يكن غير العلم بذلك شيء يكون ذلك الشيء موجباً للمفسدة على المكلّف . فلعلّ الأولى أن يقال : إنّه العلم بالمصلحة في الانبعاث عمّا يصلح لأن يكون باعثاً ( كالأمر أو القطع بالملاك بالنصّ أو الأولويّة أو غير ذلك ) أو العلم بالمصلحة في الانزجار كذلك ( فإن كانت قويّةً فيكون الحكم واجباً أو حراماً ، أو ضعيفةً فيكون الحكم استحبابيّاً أو كراهةً ) أو العلم بالتساوي وسيأتي بيانه إنشاء اللَّه ، أو هو البعث لإمكان الانبعاث أو الزجر كذلك أو إنشاء الترخيص ، فيكفي أحد الأمرين في صدق الحكم . بقي الكلام في أمور مربوطة بذلك : الأوّل في قيام الدليل على وجوب إطاعة الحكم بالمعنى الأوّل إذا لم يكن على طبقه بعث وزجر . فأقول : يدلّ عليه حكم العقل ، فكما أنّه يستقلّ بإطاعة ما يسمّى أمراً أو نهياً كذلك يدلّ على مراعاة رضا المولى وسخطه ، بل هو أولى من الآخر الخالي عن ذلك في نظر العقل . ومن ذلك يظهر أنّه يدلّ على ذلك كلّ ما دلّ على لزوم متابعة رضوان اللَّه وحرمة التعرّض لسخطه ، كقوله تعالى :« أَ فَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ »( 1 ) وقوله تعالى :« ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ » ( 2 )وقوله تعالى شأنه :« يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ »( 3 ) ، فإذا فرض وجود صفة أخرى فيه تعالى قابلة لأن يصدق عليها الرضا والسخط فلا ريب أنّها الحكم ، وأمّا إذا لم يتصوّر ذلك فليس إلّا العلم بالصلاح في الانبعاث أو الانزجار . ثمّ إنّه يوضح صدق الحكم على صِرف الصلاح وعلمه تعالى بذلك بيانُ الحكم في كثير من الموارد بما يدلّ على وجود المصلحة في العمل ، كقوله تعالى :« وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ » ( 4 ). والظاهر أنّ البعث المقرون بالعلم بإمكان الانبعاث حكم أيضاً ويصدق الأمر فيجب إطاعته ، وإنّما قلنا « العلم بإمكان الانبعاث » من جهة أنّ البعث بداعي الانبعاث ليس إلّا إرادة الانبعاث ، والمفروض أنّ الإرادة ليست إلّا العلم بالمصلحة في الانبعاث ، فهو يرجع إلى الأوّل بزيادة فرض البعث . الثاني : الفرق بين الواجب والمستحبّ في الحكم بالمعنى الأوّل هو قوّة الملاك وضعفه كما مرّت الإشارة إليه . وأمّا الحكم بالمعنى الثاني المنتزع من مقام البعث والإنشاء ففيه نظر : فيمكن أن يقال : إنّ الإيجاب هو البعث المقرون بالمنع عن الترك ، والتحريم هو الزجر المقرون بعدم الترخيص في الفعل ، والاستحباب هو البعث غير المقرون به ، والكراهة هي الزجر المقرون بالترخيص في الفعل . كما يمكن أن يقال : إنّه ليس بينهما امتياز في وعاء الجعل والإنشاء ، بل الامتياز بينهما من حيث الملاك ، فالبعث
هامش
( 1 ) سورة آل عمران : 162 . ( 2 ) سورة محمّد : 28 . ( 3 ) سورة المائدة : 16 . ( 4 ) سورة الطلاق : 3 .